إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٩ - فضيلة قصر الأمل
و الشباب،و ميله إلى الضحك و اللهو،و غفلته عما بين يديه من الموت الذريع،و الهلاك السريع،و أنه كيف كان يتردّد و الآن قد تهدّمت رجلاه و مفاصله،و أنه كيف كان ينطق و قد أكل الدود لسانه،و كيف كان يضحك و قد أكل التراب أسنانه،و كيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه و بين الموت إلا شهر،و هو غافل عما يراد به،حتى جاء الموت في وقت لم يحتسبه،فانكشف له صورة الملك،و قرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار .فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم،و غفلته كغفلتهم، و ستكون عاقبته كعاقبتهم.قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه:إذا ذكرت الموتى فعدّ نفسك كأحدهم.و قال ابن مسعود رضي اللّه عنه:السعيد من وعظ بغيره و قال عمر بن عبد العزيز :أ لا ترون أنكم تجهزون كل يوم غاديا أو رائحا إلى اللّه عز و جل تضعونه في صدع من الأرض،قد توسد التراب،و خلف الأحباب،و قطع الأسباب؟ فملازمة هذه الأفكار و أمثالها مع دخول المقابر و مشاهدة المرضى،هو الذي يجدّد ذكر الموت في القلب،حتى يغلب عليه بحيث يصير نصب عينيه،فعند ذلك يوشك أن يستعد له،و يتجافى عن دار الغرور.و إلا فالذكر بظاهر القلب و عذبة اللسان قليل الجدوى في التحذير و التنبيه .و مهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد له من مفارقته.نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ،ثم بكى فقال:و اللّه لو لا الموت لكنت بك مسرورا.و لو لا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته
الباب الثاني
في طول الأمل،و فضيلة قصر الأمل،و سبب طوله،و كيفية معالجته
فضيلة قصر الأمل
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لعبد اللّه بن عمر [١]«إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصّباح و خذ من حياتك لموتك