إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - بيان
رجعت إليه نفسه.و قال الحسن :ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا،و عليه حزينا و قال عمر بن عبد العزيز لبعض العلماء:عظني،فقال:لست أول خليفة تموت.
قال:زدني.قال:ليس من آبائك أحد إلى آدم إلا ذاق الموت،و قد جاءت نوبتك.فبكى عمر لذلك:و كان الربيع بن خثيم قد حفر قبرا في داره،فكان ينام فيه كل يوم مرات يستديم بذلك ذكر الموت،و كان يقول:لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد.
و قال مطرف بن عبد اللّه بن الشخير:إن هذا الموت قد نغّص على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيما لا موت فيه.و قال عمر بن عبد العزيز لعنبسة:أكثر ذكر الموت،فإن كنت واسع العيش ضيّقه عليك،و إن كنت ضيق العيش وسّعه عليك و قال أبو سليمان الداراني:قلت لأم هارون أ تحبين الموت؟قالت:لا،قلت:لم؟قالت:
لو عصيت آدميا ما اشتهيت لقاءه،فكيف أحب لقاءه و قد عصيته!
بيان
الطريق في تحقيق ذكر الموت في القلب
اعلم أن الموت هائل ،و خطره عظيم،و غفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه و ذكرهم له، و من يذكره ليس يذكره بقلب فارغ،بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا، فاجع ذكر الموت في قلبه.فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه،كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة.أو يركب البحر،فإنه لا يتفكر إلا فيه.فإذا باشر ذكر الموت قلبه،فيوشك أن يؤثر فيه،و عند ذلك يقل فرحه و سروره بالدنيا،و ينكسر قلبه و أنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله و أقرانه الذين مضوا قبله.فيتذكر موتهم و مصارعهم تحت التراب،و يتذكر صورهم في مناصبهم و أحوالهم،و يتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ،و كيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم،و كيف أرملوا نساءهم،و أيتموا أولادهم،و ضيعوا أموالهم،و خلت منهم مساجدهم و مجالسهم،و انقطعت آثارهم فمهما تذكر رجل رجلا،و فصل في قلبه حاله و كيفية موته،و توهم صورته،و تذكر نشاطه و تردّده و تأمله للعيش و البقاء،و نسيانه للموت،و انخداعه بمواتاة الأسباب ،و ركونه إلى القوّة