إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢ - بيان
و سئل بعضهم عن قوله تعالى رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [١]فقال:معناه ذلك لمن راغب ربه عز و جل،و حاسب نفسه،و تزود لمعاده.
و سئل ذو النون :بم ينال العبد الجنة؟فقال:بخمس.استقامة ليس فيها روغان، و اجتهاد ليس معه سهو،و مراقبة اللّه تعالى في السر و العلانية،و انتظار الموت بالتأهب له، و محاسبة نفسك قبل أن تحاسب و قد قيل :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
خلوت و لكن قل علي رقيب
و لا تحسبن اللّه يغفل ساعة
و لا أن ما تخفيه عنه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب
و أن غدا للناظرين قريب
و قال حميد الطويل لسليمان بن علي عظني فقال:لئن كنت إذا عصيت اللّه خاليا ظنت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم.و لئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت و قال سفيان الثوري:عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية،و عليك بالرجاء ممن يملك الوفاء.و عليك بالحذر ممن يملك العقوبة.
و قال فرقد السنحى:إن المنافق ينظر،فإذا لم ير أحدا دخل مدخل السوء،و إنما يراقب الناس و لا يراقب اللّه تعالى.و قال عبد اللّه بن دينار:خرجت مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى مكة،فعرّسنا في بعض الطريق،فانحدر عليه راع من الجبل فقال له:يا راعى، بعني شاة من هذه الغنم.فقال إني مملوك:فقال قل لسيدك أكلها الذئب:قال فأين اللّه؟ قال فبكى عمر رضي اللّه عنه ،ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه و أعتقه،و قال أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة،و أرجو أن تعتقك في الآخرة.
بيان
حقيقة المراقبة و درجاتها
اعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب،و انصراف الهم إليه.فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال إنه يراقب فلانا و يراعى جانبه.و يعنى بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة،و تثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح و في القلب.
[١] البينة:٨