إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٥ - بيان
و أعلى منهما رتبة من فوض أمره إلى اللّه تعالى،فصار لا يختار لنفسه موتا و لا حياة ، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه،فهذا قد انتهى بفرط الحب و الولاء إلى مقام التسليم و الرضا،و هو الغاية و المنتهى .
و على كل حال ففي ذكر الموت ثواب و فضل ،فإن المنهمك أيضا يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا،إذ ينغص عليه نعيمه،و يكدر عليه صفو لذته،و كل ما يكدر على الإنسان اللذات و الشهوات فهو من أسباب النجاة
بيان
فضل ذكر الموت كيفما كان
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم[١]«أكثروا من ذكر هاذم اللّذّات» معناه نغّصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها.فتقبلوا على اللّه تعالى،و قال صلى اللّه عليه و سلم[٢]«لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا» [٣]و قالت عائشة رضي اللّه عنها :يا رسول اللّه،هل يحشر مع الشهداء أحد؟قال:
«نعم من يذكر الموت في اليوم و اللّيلة عشرين مرّة»و إنما سبب هذه الفضيلة كلها أن ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور،و يتقاضى الاستعداد للآخرة .
و الغفلة عن الموت تدعو إلى الانهماك في شهوات الدنيا و قال صلى اللّه عليه و سلم[٤]«تحفة المؤمن الموت»و إنما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن،إذ لا يزال فيها في عناء من مقاساة نفسه،و رياضة شهواته،و مدافعة شيطانه