إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٧ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
و منزّه عن الأقطار و الجهات،و أنه ليس داخل العالم و لا خارجه،و لا هو متصل بالعالم و لا هو منفصل عنه،قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه و معرفته.بل ضعفت طائفة عن احتمال أقلّ من هذا،إذ قيل لهم إنه يتعاظم و يتعالى عن أن يكون له رأس، و رجل،و يد،و عين،و عضو،و أن يكون جسما مشخصا له مقدار و حجم،فأنكروا هذا و ظنوا أن ذلك قدح في عظمة اللّه و جلاله،حتى قال بعض الحمقى من العوام:إن هذا وصف بطيخ هندى لا وصف الإله،لظن المسكين أن الجلالة و العظمة في هذه الأعضاء،و هذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه،فلا يستعظم إلا نفسه.فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه. نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة،جالسا على سريره و بين يديه غلمان يمتثلون أمره،فلا جرم غايته أن يقدّر ذلك في حق اللّه تعالى و تقدس حتى يفهم العظمة.بل لو كان للذباب عقل و قيل له ليس لخالقك جناحان،و لا يد،و لا رجل،و لا له طيران لأنكر ذلك و قال:كيف يكون خالقى أنقص منى!أ فيكون مقصوص الجناح،أو يكون زمنا لا يقدر على الطيران،أو يكون لي آلة و قدرة لا يكون له مثلها و هو خالقى و مصوّرى و عقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل،و إن الإنسان لجهول ظلوم كفار.و لذلك أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه:لا تخبر عبادي بصفاتى فينكرونى ،و لكن أخبرهم عنى بما يفهمون و لما كان النظر في ذات اللّه تعالى و صفاته مخطرا من هذا الوجه،اقتضى أدب الشرع و صلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه.لكنا نعدل إلى المقام الثاني ،و هو النظر في أفعاله،و مجاري قدره،و عجائب صنعه،و بدائع أمره في خلقه،فإنها تدل على جلاله و كبريائه،و تقدسه و تعاليه،و تدل على كمال علمه و حكمته،و على نفاذ مشيئته و قدرته فينظر إلى صفاته من آثار صفاته.فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته،كما أنا نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس،و نستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر و سائر الكواكب،لأن نور الأرض من آثار نور الشمس،و النظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما،و إن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر.و جميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة اللّه تعالى،و نور من أنوار ذاته ،بل لا ظلمة أشد من العدم،و لا نور أظهر من الوجود، و وجود الأشياء كلها نور من أنوار ذاته تعالى و تقدس،إذ قوام وجود الأشياء