إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٥ - بيان
و قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوة و عشية إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة و إن كان من أهل النّار فمن النّار و يقال هذا مقعدك حتّى تبعث إليه يوم القيامة»و ليس يخفى ما في مشاهدة المقعدين من عذاب و نعيم في الحال و عن أبي قيس قال كنا مع علقمة في جنازة،فقال:أما هذا فقد قامت قيامته و قال علي كرم اللّه وجهه:حرام على نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم من أهل الجنة هي أم من أهل النار و قال[٢]أبو هريرة:قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم«من مات غريبا مات شهيدا و وقى فتّانات القبر و غدي و ريح عليه برزقه من الجنّة » و قال مسروق :ما غبطت أحدا ما غبطت مؤمنا في اللحد،قد استراح من نصب الدنيا،و أمن عذاب اللّه و قال يعلى بن الوليد:كنت أمشى يوما مع أبي الدرداء،فقلت له.ما تحب لمن تحب؟ قال الموت.قلت فإن لم يمت!قال يقلّ ماله و ولده.و إنما أحب الموت لأنه لا يحبه إلا المؤمن و الموت إطلاق المؤمن من السجن .و إنما أحب قلّة المال و الولد لأنه فتنة و سبب للأنس بالدنيا،و الأنس بمن لا بدّ من فراقه غاية الشقاء،فكل ما سوى اللّه،و ذكره،و الأنس به فلا بد من فراقه عند الموت لا محالة.و لهذا قال عبد اللّه بن عمرو :إنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو روحه مثل رجل بات في سجن فأخرج منه،فهو يتفسح في الأرض و يتقلب فيها.و هذا الذي ذكره حال من تجافى عن الدنيا و تبرّم بها،و لم يكن له أنس إلا بذكر اللّه تعالى،و كانت شواغل الدنيا تحبسه عن محبوبه،و مقاساة الشهوات تؤذيه،فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات،و انفراده بمحبوبه الذي كان به أنسه من غير عائق و لا دافع،و ما أجدر ذلك بأن يكون منتهى النعيم و اللذّات م ٢٤:خامس عشر-إحياء