إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٣ - بيان
ما لم يكن مكشوفا في النوم.و الناس نيام،فإذا ماتوا انتبهوا .و أول ما ينكشف له ما يضره و ينفعه من حسناته و سيئاته،و قد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوى في سر قلبه،و كان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا .فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله، فلا ينظر إلى سيئة إلا و يتحسر عليها تحسرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة،و عند ذلك يقال له كَفىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١]و ينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس،و قبل الدفن ،و تشتعل فيه نيران الفراق،أعنى فراق ما كان يطمئن إليه من هذه الدنيا الفانية،دون ما أراد منها لأجل الزاد و البلغة،فإن من طلب الزاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزاد،إذ لم يكن يريد الزاد لعينه.و هذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة،و كان يود أن تنقطع ضرورته ليستغني عنه،فقد حصل ما كان يوده،و استغنى عنه و هذه أنواع من العذاب و الآلام عظيمة،تهجم عليه قبل الدفن،ثم عند الدفن قد تردّ روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب.و قد يعفى عنه.و يكون حال المتنعم بالدنيا، المطمئن إليها،كحال من تنعم عند غيبة ملك من الملوك في داره،و ملكه،و حريمه،اعتمادا على أن الملك يتساهل في أمره ،أو على أن الملك ليس يدرى ما يتعاطاه من قبيح أفعاله، فأخذه الملك بغتة،و عرض عليه جريدة قد دونت فيها جميع فواحشه و جناياته ذرة ذرة، و خطوة خطوة،و الملك قاهر متسلط،و غيور على حرمه،و منتقم من الجناة على ملكه و غير ملتفت إلى من يتشفع إليه في العصاة عليه.فانظر إلى هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف،و الخجلة،و الحياء،و التحسر،و الندم.فهذا حال الميت الفاجر المغتر بالدنيا،المطمئن إليها،قبل نزول عذاب القبر به،بل عند موته نعوذ باللّه منه،فإن الخزي و الافتضاح و هتك الستر أعظم من كل عذاب يحل بالجسد من الضرب و القطع،و غيرهما.فهذه إشارة إلى حال الميت عند الموت،شاهدها أولو البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين.و شهد لذلك شواهد الكتاب و السنة.نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت،إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة،و معرفة الحياة بمعرفة
[١] الاسراء:١٤