إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٨ - و أما النوع الثاني و هو الطاعات
و البدعة،و أن ذلك إنما يسمعه من زيد و عمرو،و أنه ينبغي أن يحترز عنه بالاعتزال أو بالنهي عن المنكر.فمهما كان ذلك فيتفكر في بطنه أنه إنما يعصى اللّه تعالى فيه بالأكل و الشرب،إما بكثرة الأكل من الحلال،فإن ذلك مكروه عند اللّه،و مقوّ للشهوة التي هي سلاح الشيطان عدوّ اللّه،و إما بأكل الحرام أو الشبهة،فينظر من أين مطعمه، و ملبسه،و مسكنه،و مكسبه،و ما مكسبه،و يتفكر في طريق الحلال و مداخله،ثم يتفكر في طريق الحيلة في الاكتساب منه و الاحتراز من الحرام،و يقرر على نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام،و أن أكل الحلال هو أساس العبادات كلها.[١] و أن اللّه تعالى لا يقبل صلاة عبد في ثمن ثوبه درهم حرام كما ورد الخبر به فهكذا يتفكر في أعضائه،ففي هذا القدر كفاية عن الاستقصاء،فمهما حصل بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتى يحفظ الأعضاء عنها
و أما النوع الثاني:و هو الطاعات
فينظر أوّلا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها، و كيف يحرسها عن النقصان و التقصير،أو كيف يجبر نقصانها بكثرة النوافل ،ثم يرجع إلى عضو عضو فيتفكر في الأفعال التي تتعلق بها مما يحبه اللّه تعالى،فيقول مثلا:إن العين خلقت للنظر في ملكوت السموات و الأرض عبرة،و لتستعمل في طاعة اللّه تعالى و تنظر في كتاب اللّه و سنة رسوله صلى اللّه عليه و سلم،و أنا قادر على أن أشغل العين بمطالعة القرءان و السنة،فلم لا أفعله؟و أنا قادر على أن أنظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه،و أنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء فأزجره بذلك عن معصيته،فلم لا أفعله؟ و كذلك يقول في سمعه:إنى قادر على استماع كلام ملهوف،أو استماع حكمة و علم، أو استماع قراءة و ذكر،فما لي أعطّله و قد أنعم اللّه عليّ به،و أودعنيه لأشكره،فما لي أكفر نعمة اللّه فيه بتضييعه أو تعطيله؟ و كذلك يتفكر في اللسان و يقول:إنى قادر على أن أتقرب إلى اللّه تعالى بالتعليم،و الوعظ و التودد إلى قلوب أهل الصلاح،و بالسؤال عن أحوال الفقراء،و إدخال السرور على قلب