إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٩ - و أما النوع الثالث فهي الصفات المهلكة التي محلها القلب
زيد الصالح،و عمرو العالم بكلمة طيبة،و كل كلمة طيبة فإنها صدقة و كذلك يتفكر في ماله فيقول:أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلانى،فإنى مستغن عنه و مهما احتجت إليه رزقني اللّه تعالى مثله،و إن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج منى إلى ذلك المال.و هكذا يفتش عن جميع أعضائه،و جملة بدنه و أمواله، بل عن دوابه و غلمانه و أولاده، فإن كل ذلك أدواته و أسبابه،و يقدر على أن يطيع اللّه تعالى بها،فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها،و يتفكر،فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات و يتفكر في إخلاص النية فيها،و يطلب لها مظان الاستحقاق حتى يزكو بها عمله.و قس على هذا سائر الطاعات
و أما النوع الثالث:فهي الصفات المهلكة التي محلها القلب.
فيعرفها مما ذكرناه في ربع المهلكات،و هي استيلاء الشهوة،و الغضب،و البخل،و الكبر،و العجب،و الرياء و الحسد،و سوء الظن،و الغفلة،و الغرور،و غير ذلك .و يتفقد من قلبه هذه الصفات، فإن ظن أن قلبه منزه عنها فيتفكر في كيفية امتحانه،و الاستشهاد بالعلامات عليه،فإن النفس أبدا تعد بالخير من نفسها و تخلف.فإذا ادّعت التواضع و البراءة من الكبر فينبغي أن تجرب بحمل حزمة حطب في السوق،كما كان الأولون يجربون به أنفسهم.و إذا ادّعت الحلم تعرض لغضب يناله من غيره،ثم يجربها في كلم الغيط.و كذلك في سائر الصفات و هذا تفكر في أنه هل هو موصوف بالصفة المكروهة أم لا،و لذلك علامات ذكرناها في ربع المهلكات.فإذا دلت العلامة على وجودها فكر في الأسباب التي تقبح تلك الصفات عنده،و تبين أن منشأها من الجهل و الغفلة،و خبث الدّخلة.كما لو رأى في نفسه عجبا بالعمل، فيتفكر و يقول:إنما عملي ببدني و جارحتى،و بقدرتي و إرادتى،و كل ذلك ليس منى و لا إليّ،و إنما هو من خلق اللّه و فضله عليّ،فهو الذي خلقني،و خلق جارحتى،و خلق قدرتى و إرادتى،و هو الذي حرك أعضائى بقدرته.و كذلك قدرتى و إرادتى،فكيف أعجب بعملي أو بنفسي،و لا أقوم لنفسي بنفسي فإذا أحس في نفسه بالكبر،قرر على نفسه ما فيه من الحماقة و يقول لها:لم ترين نفسك أكبر؟و الكبير من هو عند اللّه كبير.و ذلك ينكشف بعد الموت.و كم من كافر في الحال