إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٣ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
و إذا عرفت مجال الفكر في علوم المعاملة التي بين العبد و بين ربه،فينبغي أن تتخذ ذلك عادتك و ديدنك صباحا و مساء،فلا تغفل عن نفسك و عن صفاتك المبعدة من اللّه تعالى، و أحوالك المقربة إليه سبحانه و تعالى.بل كل مريد فينبغي أن يكون له جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات،و جملة الصفات المنجيات،و جملة المعاصي و الطاعات،و يعرض نفسه عليها كل يوم. و يكفيه من المهلكات النظر في عشرة،فإنه إن سلم منها سلم من غيرها،و هي البخل،و الكبر،و العجب،و الرياء،و الحسد،و شدة الغضب،و شره الطعام،و شره الوقاع،و حب المال،و حب الجاه.و من المنجيات عشرة:الندم على الذنوب،و الصبر على البلاء،و الرضا بالقضاء،و الشكر على النعماء،و اعتدال الخوف و الرجاء و الزهد في الدنيا،و الإخلاص في الأعمال،و حسن الخلق مع الخلق،و حب اللّه تعالى، و الخشوع له .فهذه عشرون خصلة،عشرة مذمومة،و عشرة محمودة.فمهما كفي من المذمومات واحدة فيخط عليها في جريدته،و يدع الفكر فيها،و يشكر اللّه تعالى على كفايته إياها،و تنزيه قلبه عنها.و يعلم أن ذلك لم يتم إلا بتوفيق اللّه تعالى و عونه،و لو وكله إلى نفسه لم يقدر على محو أقل الرذائل عن نفسه.فيقبل على التسعة الباقية.و هكذا يفعل حتى يخط على الجميع.و كذا يطالب نفسه بالاتصاف بالمنجيات،فإذا اتصف بواحدة منها كالتوبة و الندم مثلا خط عليها،و اشتغل بالباقي،و هذا يحتاج إليه المريد المشمر و أما أكثر الناس من المعدودين من الصالحين فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة كأكل الشبهة و إطلاق اللسان بالغيبة،و النميمة،و المراء،و الثناء على النفس، و الإفراط في معاداة الأعداء و موالاة الأولياء،و المداهنة مع الخلق في ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فإن أكثر من يعدّ نفسه من وجوه الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه.و ما لم يطهر الجوارح عن الآثام لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب و تطهيره.بل كل فريق من الناس يغلب عليهم نوع من المعصية،فينبغي أن يكون تفقدهم لها،و تفكرهم فيها لا في معاص هم بمعزل عنها.مثاله العالم الورع،فإنه لا يخلو في غالب الأمر عن إظهار نفسه بالعلم،و طلب الشهرة ،و انتشار الصيت،إما بالتدريس م ١٠:خامس عشر-إحياء