إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣ - فضيلة قصر الأمل
و لا يدرى أ ساخط رب العالمين عليه أم راض.و ثلاث أحزنتنى حتى أبكتني فراق الأحبة محمد و حزبه،و هول المطلع،و الوقوف بين يدي اللّه و لا أدرى إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار.و قال بعضهم:رأيت زرارة بن أبي أوفى بعد موته في المنام،فقلت:أي الأعمال أبلغ عندكم؟قال التوكل و قصر الأمل.و قال الثوري :
الزهد في الدنيا قصر الأمل،ليس بأكل الغليظ و لا لبس العباءة.و سأل المفضل بن فضالة ربه أن يرفع عنه الأمل فذهبت عنه شهوة الطعام و الشراب.ثم دعا ربه فرد عليه الأمل،فرجع إلى الطعام و الشراب .و قيل للحسن:يا أبا سعيد، ألا تغسل قميصك؟فقال الأمر عجل من ذلك.و قال الحسن:الموت معقود بنواصيكم و الدنيا تطوى من ورائكم و قال بعضهم أنا كرجل مادّ عنقه و السيف عليه،ينتظر متى تضرب عنقه.و قال داود الطائي:لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما.و كيف أؤمل ذلك.و أرى الفجائع تغشى الخلائق في ساعات الليل و النهار و حكي أنه جاء شقيق البلخي إلى أستاذ له يقال له أبو هاشم الرماني،و في طرف كسائه شيء مصرور،فقال له أستاذه:أيش هذا معك؟فقال لوزات دفعها إليّ أخ لي و قال أحب أن تفطر عليها.فقال شقيق،و أنت تحدث نفسك أنك تبقى إلى الليل! لا كلمتك أبدا.قال:فأغلق في وجهي الباب و دخل و قال عمر بن عبد العزيز في خطبته:إن لكل سفر زادا لا محالة،فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى،و كونوا كمن عاين ما أعد اللّه من ثوابه و عقابه ترغبوا و ترهبوا،و لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم،و تنقادوا لعدوكم،فإنه و اللّه ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يصبح بعد مسائه،و لا يمسي بعد صباحه،و ربما كانت بين ذلك خطفات المنايا.و كم رأيت و رأيتم من كان بالدنيا مغترا.و إنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب اللّه تعالى،و إنما يفرح من أمن أهوال القيامة.فأما من لا يداوي كلما إلا أصابه جرح من ناحية أخرى فكيف يفرح!أعوذ باللّه من أن آمركم بما لا أنهى عنه نفسي،فتخسر صفقتي و تظهر عيبتي ،و تبدو مسكنتي في يوم م ١٥:خامس عشر-إحياء