إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٥ - فضيلة قصر الأمل
فيأتيك منكر و نكير فيقعدانك و ينتهرانك،فإن يكن اللّه معك فلا بأس،و لا وحشة، و لا فاقة،و إن يكن غير ذلك فأعاذنى اللّه و إياك من سوء مصرع،و ضيق مضجع،ثم تبلغك صيحة الحشر،و نفخ الصور.و قيام الجبار لفصل قضاء الخلائق،و خلاء الأرض من أهلها، و السموات من سكانها،فباحت الأسرار ،و أسعرت النار،و وضعت الموازين،و جيء بالنبيين و الشهداء،و قضي بينهم بالحق،و قيل الحمد للّٰه رب العالمين.فكم من مفتضح و مستور،و كم من هالك و ناج،و كم من معذب و مرحوم،فيا ليت شعري ما حالي و حالك يومئذ؟ففي هذا ما هدم اللذات،و أسلى عن الشهوات،و قصر عن الأمل،و أيقظ النائمين،و حذر الغافلين.أعاننا اللّه و إياكم على هذا الخطر العظيم،و أوقع الدنيا و الآخرة من قلبي و قلبك موقعهما من قلوب المتقين،فإنما نحن به و له و السلام و خطب عمر بن عبد العزيز فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:أيها الناس،إنكم لم تخلقوا عبثا و لن تتركوا سدى.و ان لكم معادا يجمعكم اللّه فيه للحكم و الفصل فيما بينكم.فخاب و شقي غدا عبد أخرجه اللّه من رحمته التي وسعت كل شيء،و جنته التي عرضها السموات و الأرض.و إنما يكون الأمان غدا لمن خاف و اتّقى،و باع قليلا بكثير،و فانيا بباق،و شقوة بسعادة،ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين،و سيخلف بعدكم الباقون؟أ لا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا و رائحا إلى اللّه عز و جل قد قضى نحبه،و انقطع أمله،فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد و لا ممهد،قد خلع الأسباب،و فارق الأحباب، و واجه الحساب؟و ايم اللّه إنى لأقول مقالتي هذه و لا أعلم عند أحدكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي.و لكنها سنن من اللّه عادلة،آمر فيها بطاعته،و أنهى فيها عن معصيته، و استغفر اللّه،و وضع كمه على وجهه و جعل يبكى حتى بلت دموعه لحيته.و ما عاد إلى مجلسه حتى مات .و قال القعقاع بن حكيم :قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة،فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء و قال الثوري:رأيت شيخا في مسجد الكوفة يقول:أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي،و لو أتاني ما أمرته بشيء،و لا نهيته عن شيء،و لا لي على أحد شيء،و لا لأحد عندي شيء