إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦ - التفكر في ملكوت السموات
فقال وَ جَعَلْنَا السَّمٰاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [١]و قال سبحانه وَ بَنَيْنٰا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدٰاداً [٢]و قال أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا [٣]فانظر إلى الملكوت لترى عجائب العز و الجبروت،و لا تظنن أن معنى النظر إلى الملكوت بأن تمد البصر إليه،فترى زرقة السماء و ضوء الكواكب و تفرقها،فإن البهائم تشاركك في هذا النظر .فإن كان هذا هو المراد،فلم مدح اللّه تعالى إبراهيم بقوله وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ [٤]لا بل كل ما يدرك بحاسة البصر.
فالقرآن يعبر عنه بالملك و الشهادة.و ما غاب عن الأبصار فيعبر عنه بالغيب و الملكوت.
و اللّه تعالى عالم الغيب و الشهادة،و جبار الملك الملكوت،و لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء،و هو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فأجل أيها العاقل فكرك في الملكوت،فعسى يفتح لك أبواب السماء فتجول بقلبك في أقطارها ،إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرحمن،فعند ذلك ربما يرجى لك أن تبلغ رتبة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حيث قال:رأى قلبي ربي.و هذا لأن بلوغ الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى.و أدنى شيء إليك نفسك،ثم الأرض التي هي مقرك،ثم الهواء المكتنف لك،ثم النبات و الحيوان و ما على وجه الأرض،ثم عجائب الجو و هو ما بين السماء و الأرض،ثم السموات السبع بكواكبها،ثم الكرسي،ثم العرش،ثم الملائكة الذين هم حملة العرش و خزان السموات،ثم منه تجاوز إلى النظر إلى رب العرش،و الكرسي و السموات،و الأرض،و ما بينهما .فبينك و بين هذه المفاوز العظيمة،و المسافات الشاسعة و العقبات الشاهقة،و أنت بعد لم تفرغ من العقبة القريبة النازلة،و هي معرفة ظاهر نفسك ثم صرت تطلق اللسان بوقاحتك،و تدعى معرفة ربك،و تقول قد عرفته و عرفت خلقه ففيما ذا أتفكر؟و إلى ما ذا أتطلع؟ فارفع الآن رأسك إلى السماء،و انظر فيها و في كواكبها،و في دورانها،و طلوعها، و غروبها،و شمسها و قمرها،و اختلاف مشارقها و مغاربها،و دءوبها في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها،و من غير تغير في سيرها،بل تجرى جميعا في منازل مرتبة
[١] أنبياء:٣٢
[٢] النبأ:١٢
[٣] النازعات:٢٧،٢٨
[٤] الأنعام:٧٥