إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - المرابطة السادسة
فوطّنى نفسك على النار،فقد خلق اللّه الجنة و خلق لها أهلا،و خلق النار و خلق لها أهلا، فكل ميسر لما خلق له .فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطى من نفسك،و القنوط كبيرة من الكبائر نعوذ باللّه من ذلك،فلا سبيل لك إلى القنوط،و لا سبيل لك إلى الرجاء مع انسداد طرق الخير عليك،فإن ذلك اغترار و ليس برجاء.فانظرى الآن هل يأخذك حزن على هذه المصيبة التي ابتليت بها،و هل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك،فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة،فقد بقي فيك موضع للرجاء،فواظبي على النياحة و البكاء،و استغيثي بأرحم الراحمين،و اشتكى إلى أكرم الأكرمين،و أدمنى الاستغاثة، و لا تملّى طول الشكاية لعله أن يرحم ضعفك و يغيثك، فإن مصيبتك قد عظمت،و بليتك قد تفاقمت،و تماديك قد طال،و قد انقطعت منك الحيل،و راحت عنك العلل،فلا مذهب و لا مطلب،و لا مستغاث و لا مهرب،و لا ملجأ و لا منجى إلا إلى مولاك،فافزعى إليه بالتضرع، و اخشعى في تضرعك على قدر عظم جهلك و كثرة ذنوبك،لأنه يرحم المتضرع الذليل، و يغيث الطالب المتلهف،و يجيب دعوة المضطر و قد أصبحت إليه اليوم مضطرة،و إلى رحمته محتاجة،و قد ضاقت بك السبل،و انسدت عليك الطرق،و انقطعت منك الحيل،و لم تنجع فيك العظات،و لم يكسرك التوبيخ، فالمطلوب منه كريم،و المسئول جواد،و المستغاث به برءوف،و الرحمة واسعة،و الكرم فائض،و العفو شامل.و قولي يا أرحم الراحمين،يا رحمن،يا رحيم،يا حليم،يا عظيم، يا كريم،أنا المذنب المصر،أنا الجريء الذي لا أقلع،أنا المتمادى الذي لا أستحى،هذا مقام المتضرع المسكين،و البائس الفقير،و الضعيف الحقير،و الهالك الغريق فعجل إغاثتى و فرجي،و أرني آثار رحمتك،و أذقنى برد عفوك و مغفرتك،و ارزقني قوة عصمتك يا أرحم الراحمين،اقتداء بأبيك آدم عليه السلام،فقد قال وهب بن منبه:لما أهبط اللّه آدم من الجنة إلى الأرض مكث لا ترقأ له دمعة،فاطلع اللّه عز و جل عليه في اليوم السابع و هو محزون،كئيب،كظيم،منكس رأسه، فأوحى اللّه تعالى إليه يا آدم،ما هذا الجهد الذي أرى بك؟قال يا رب عظمت مصيبتى،و أحاطت بي خطيئتي،و أخرجت من ملكوت ربي.فصرت في دار الهوان بعد الكرامة،و في دار الشقاء بعد السعادة،و في دار النصب