إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٥ - المرابطة السادسة
بعد الراحة،و في دار البلاء بعد العافية،و في دار الزوال بعد القرار،و في دار الموت و الفناء بعد الخلود و البقاء،فكيف لا أبكى على خطيئتي،فأوحى اللّه تعالى إليه يا آدم،ألم أصطفك لنفسي،و أحللتك دارى،و خصصتك بكرامتي،و حذرتك سخطي،ألم أخلقك بيدي، و نفخت فيك من روحي،و أسجدت لك ملائكتي،فعصيت أمري،و نسيت عهدى و تعرضت لسخطي؟فو عزتي و جلالي لو ملأت الأرض رجالا كلهم مثلك،يعبدونني، و يسبحونني،ثم عصوني،لأنزلتهم منازل العاصين.فبكى آدم عليه السلام عند ذلك ثلاثمائة عام و كان عبيد اللّه البجلي كثير البكاء ،يقول في بكائه طول ليله:إلهى أنا الذي كلما طال عمري زادت ذنوبي:أنا الذي كلما هممت بترك خطيئة عرضت لي شهوة أخرى.وا عبيداه خطيئة لم تبل و صاحبها في طلب أخرى.وا عبيداه إن كانت النار لك مقيلا و مأوى.
وا عبيداه إن كانت المقامع لرأسك تهيّأ:وا عبيداه قضيت حوائج الطالبين و لعل حاجتك لا تقضى و قال منصور بن عمار:سمعت في بعض الليالي بالكوفة عابدا يناجي ربه و هو يقول:
يا رب و عزتك ما أردت بمعصيتك مخالفتك،و لا عصيتك إذ عصيتك و أنا بمكانك جاهل و لا لعقوبتك متعرض،و لا لنظرك مستخف،و لكن سوّلت لي نفسي،و أعاننى على ذلك شقوتي،و غرتني سترك المرخى علي،فعصيتك بجهلي،و خالفتك بفعلي،فمن عذابك الآن من يستنقذني؟أو بحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عنى؟وا سوأتاه من الوقوف بين يديك غدا إذا قيل للمخفين جوزوا،و قيل للمثقلين حطوا.أ مع المخفين أجوز، أم مع المثقلين أحط؟ويلي،كلما كبرت سنى كثرت ذنوبي.ويلي،كلما طال عمري كثرت معاصيّ،فإلى متى أتوب و إلى متى أعود؟أما آن لي أن أستحيي من ربي؟ فهذه طرق القوم في مناجاة مولاهم،و في معاتبة نفوسهم.و إنما مطلبهم من المناجاة الاسترضاء ،و مقصدهم من المعاتبة التنبيه و الاسترعاء.فمن أهمل المعاتبة و المناجاة لم يكن لنفسه مراعيا،و يوشك أن لا يكون اللّه تعالى عنه راضيا و السلام تم كتاب المحاسبة و المراقبة،يتلوه كتاب التفكر إن شاء اللّه تعالى،و الحمد للّٰه وحده، و صلاته على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم