إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥ - المقام الأول من المرابطة
و قال تعالى يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّٰهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمٰا عَمِلُوا أَحْصٰاهُ اللّٰهُ وَ نَسُوهُ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [١]و قال تعالى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّٰاسُ أَشْتٰاتاً لِيُرَوْا أَعْمٰالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٢]و قال تعالى ثُمَّ تُوَفّٰى كُلُّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ [٣]و قال تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّٰهُ نَفْسَهُ [٤]و قال تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [٥]فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن اللّه تعالى لهم بالمرصاد،و أنهم سيناقشون في الحساب.و يطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات و اللحظات. و تحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، و صدق المراقبة،و مطالبة النفس في الأنفاس و الحركات،و محاسبتها في الخطرات و اللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه،و حضر عند السؤال جوابه، و حسن منقلبه و مآبه.و من لم يحاسب نفسه دامت حسراته،و طالت في عرصات القيامة و قفاته،و قادته إلى الخزي و المقت سيئاته.
فلما انكشف لهم ذلك علموا أنه لا ينجيهم منه إلا طاعة اللّه،و قد أمرهم بالصبر و المرابطة فقال عز من قائل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا وَ رٰابِطُوا [٦]فرابطوا أنفسهم أوّلا بالمشارطة،ثم بالمراقبة،ثم بالمحاسبة،ثم بالمعاقبة،ثم بالمجاهدة،ثم بالمعاتبة،فكانت لهم في المرابطة ست مقامات،و لا بد من شرحها و بيان حقيقتها و فضيلتها،و تفصيل الأعمال فيها،و أصل ذلك المحاسبة،و لكن كل حساب فبعد مشارطة و مراقبة،و يتبعه عند الخسران المعاتبة و المعاقبة،فلنذكر شرح هذه المقامات و باللّه التوفيق
المقام الأول من المرابطة
المشارطة
اعلم أن مطلب المتعاملين في التجارات،المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الربح و كما أن التاجر يستعين بشريكه.فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه،فكذلك العقل
[١] المجادلة:٦
[٢] الزلزلة:٦،٧،٨
[٣] البقرة:٢٨١
[٤] آل عمران:٣٠
[٥] البقرة:٢٥٣
[٦] آل عمران:٢٠٠