إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٨ - بيان
فالمرض فجأة غير بعيد.و كل مرض فإنما يقع فجأة،و إذا مرض لم يكن الموت بعيدا و لو تفكر هذا الغافل،و علم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب،و شيب، و كهولة،و من صيف،و شتاء،و خريف،و ربيع،من ليل و نهار،لعظم استشعاره، و اشتغل بالاستعداد له.و لكن الجهل بهذه الأمور و حب الدنيا دعواه إلى طول الأمل، و إلى الغفلة عن تقدير الموت القريب،فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين يديه،و لا يقدر نزوله به و وقوعه فيه.و هو أبدا يظن أنه يشيع الجنائز،و لا يقدّر أن تشيع جنازته،لأن هذا قد تكرر عليه و ألفه،و هو مشاهدة موت غيره.فأما موت نفسه فلم يألفه،و لم يتصور أن يألفه،فإنه لم يقع.و إذا وقع لم يقع دفعة أخرى بعد هذه،فهو الأول و هو الآخر، و سبيله أن يقيس نفسه بغيره،و يعلم أنه لا بد و أن تحمل جنازته،و يدفن في قبره.و لعل اللبن الذي يغطى به لحده قد ضرب و فرغ منه و هو لا يدرى.فتسويفه جهل محض و إذا عرفت أن سببه الجهل و حب الدنيا،فعلاجه دفع سببه.أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر،و بسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة و أما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد،و هو الداء العضال الذي أعيا الأوّلين و الآخرين علاجه،و لا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر،و بما فيه من عظيم العقاب و جزيل الثواب.و مهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير.فإذا رأى حقارة الدنيا و نفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها،و إن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب.و كيف و ليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير مكدر منغص ،فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة!فنسأل اللّه تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده.و لا علاج في تقدير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران و الأشكال ،و أنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا.أما من كان مستعدا فقد فاز فوزا عظيما.و أما من كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا فلينظر الإنسان كل ساعة في أطرافه و أعضائه،و ليتدبر أنها كيف تأكلها الديدان لا محالة،و كيف تتفتت عظامها ،و ليتفكر أن الدود يبدأ بحدقته اليمنى أولا أو اليسرى،