إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨ - بيان
بذاته القيوم بنفسه،كما أن قوام نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها.و مهما انكشف بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه،و يمكن النظر إليها،فيكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطرق النظر إليها.فكذلك الأفعال واسطة نشاهد فيها صفات الفاعل و لا نبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنها بواسطة الأفعال فهذا سر قوله صلى اللّه عليه و سلم«تفكّروا في خلق اللّه و لا تتفكّروا في ذات اللّه تعالى »
بيان
كيفية التفكر في خلق اللّه تعالى
اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى اللّه تعالى فهو فعل اللّه و خلقه.و كل ذرة من الذرات من جوهر و عرض و صفة و موصوف ففيها عجائب و غرائب تظهر بها حكمة اللّه و قدرته، و جلاله و عظمته.و إحصاء ذلك غير ممكن،لأنه لو كان البحر مدادا لذلك لنفد البحر قبل أن ينفد عشر عشيره.و لكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما عداه فنقول:
الموجودات المخلوقة منقسمة إلى ما لا يعرف أصلها فلا يمكننا التفكر فيها،و كم من الموجودات التي لا نعلمها كما قال اللّه تعالى وَ يَخْلُقُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ [١]سُبْحٰانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوٰاجَ كُلَّهٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمّٰا لاٰ يَعْلَمُونَ [٢]و قال وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ [٣]و إلى ما يعرف أصلها و جملتها و لا يعرف تفصيلها،فيمكننا أن نتفكر في تفصيلها.و هي منقسمة إلى ما أدركناه بحس البصر،و إلى ما لا ندركه بالبصر أما الذي لا ندركه بالبصر فكالملائكة،و الجن،و الشياطين،و العرش،و الكرسي، و غير ذلك،و مجال الفكر في هذه الأشياء مما يضيق و يغمض،فلنعدل إلى الأقرب إلى الأفهام و هي المدركات بحس البصر،و ذلك هو السموات السبع،و الأرض،و ما بينهما.فالسماوات مشاهدة بكواكبها،و شمسها،و قمرها،و حركتها،و دورانها في طلوعها و غروبها.
و الأرض مشاهدة بما فيها من جبالها،و معادنها،و أنهارها،و بحارها،و حيوانها،و نباتها.
و ما بين السماء و الأرض و هو الجو مدرك بغيومها،و أمطارها،و ثلوجها،و رعدها،و برقها،
[١] النحل:٨
[٢] يس:٢٦
[٣] الواقعة:٦١