إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا،و التكالب عليها،و يقال لو كان هذا مذموما لكان العلماء أحق و أولى باجتنابه منا،فليتنا كنا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا ،فما أعظم الفتنة التي تعرضنا لها لو تفكرنا،فنسأل اللّه تعالى أن يصلحنا و يصلح بنا،و يوفقنا للتوبة قبل أن يتوفانا،إنه الكريم اللطيف بنا،المنعم علينا فهذه مجاري أفكار العلماء و الصالحين في علم المعاملة.فإن فرغوا منها انقطع التفاتهم عن أنفسهم،و ارتقوا منها إلى التفكر في جلال اللّه و عظمته،و التنعم بمشاهدته بعين القلب و لا يتم ذلك إلا بعد الانفكاك من جميع المهلكات،و الاتصاف بجميع المنجيات.و إن ظهر شيء منه قبل ذلك كان مدخولا معلولا،مكدرا مقطوعا،و كان ضعيفا كالبرق الخاطف لا يثبت و لا يدوم،و يكون كالعاشق الذي خلا بمعشوقه،و لكن تحت ثيابه حيّات و عقارب تلدغه مرة بعد أخرى،فتنغص عليه لذة المشاهدة ،و لا طريق له في كمال التنعم إلا بإخراج العقارب و الحيّات من ثيابه:و هذه الصفات المذمومة عقارب و حيّات،و هي مؤذيات و مشوشات،و في القبر يزيد ألم لدغها على لدغ العقارب و الحيّات.فهذا القدر كاف في التنبيه على مجاري فكر العبد في صفات نفسه المحبوبة و المكروهة عند ربه تعالى القسم الثاني:الفكر في جلال اللّه و عظمته و كبريائه ،و فيه مقامان:
المقام الأعلى:الفكر في ذاته و صفاته و معانى أسمائه.و هذا مما منع منه حيث قيل:تفكروا في خلق اللّه تعالى و لا تتفكروا في ذات اللّه.و ذلك لأن العقول تتحير فيه،فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون،ثم لا يطيقون دوام النظر.بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال اللّه تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس،فإنه لا يطيقه البتة،بل يختفى نهارا ،و إنما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض.و أحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس،فإنه يقدر على النظر إليها و لا يطيق دوامه،و يخشى على بصره لو أدام النظر،و نظره المختطف إليها يورث العمش و يفرق البصر.و كذلك النظر إلى ذات اللّه تعالى يورث الحيرة و الدهش و اضطراب العقل .فالصواب إذا أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات اللّه سبحانه و صفاته،فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء،و هو أن اللّه تعالى مقدس عن المكان،