إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - التفكر في البحار
و ليس يتعجب من نفسه.بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها،و نظر إلى أشكالها و صورها، ثم إلى منافعها و فوائدها من جلودها،و أصوافها،و أوبارها،و أشعارها،التي جعلها اللّه لباسا لخلقه،و أكنانا لهم في ظعنهم و إقامتهم،و آنية لأشربتهم،و أوعية لأغذيتهم، و صوانا لأقدامهم،و جعل ألبانها و لحومها أغذية لهم،ثم جعل بعضها زينة للركوب، و بعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي و المفازات البعيدة،لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها و مصورها،فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع منافعها،سابق على خلقه إياها، فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من غير تفكر،و من غير تأمل و تدبر ،و من غير استعانة بوزير أو مشير،فهو العليم الخبير،الحكيم القدير،فلقد استخرج بأقل القليل مما خلقه صدق الشهادة من قلوب العارفين بتوحيده،فما للخلق إلا الإذعان لقهره و قدرته و الاعتراف بربوبيته،و الإقرار بالعجز عن معرفة جلاله و عظمته،فمن ذا الذي يحصى ثناء عليه؟بل هو كما أثنى على نفسه.و إنما غاية معرفتنا الاعتراف بالعجز عن معرفته، فنسأل اللّه تعالى أن يكرمنا بهدايته بمنّه و رأفته
[التفكر في البحار]
و من آياته البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض التي هي قطع من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض،حتى أن جميع المكشوف من البوادي و الجبال من الماء بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم،و بقية الأرض مستورة بالماء،قال النبي صلى اللّه عليه و سلم «[١]الأرض في البحر كالإسطبل في الأرض»فانسب اصطبلا إلى جميع الأرض و اعلم أن الأرض بالإضافة إلى البحر مثله.و قد شاهدت عجائب الأرض و ما فيها،فتأمل الآن عجائب البحر،فإن عجائب ما فيه من الحيوان و الجواهر أضعاف عجائب ما تشاهده على وجه الأرض،كما أن سعته أضعاف سعة الأرض و لعظم البحر كان فيه من الحيوانات العظام ما ترى ظهورها في البحر فتظن أنها جزيرة،فينزل الركاب عليها،فربما تحس بالنيران إذا اشتعلت فتتحرك و يعلم أنها حيوان و ما من صنف من أصناف حيوان البر من فرس:أو طير،أو بقر،أو إنسان،إلا و في البحر أمثاله و أضعافه و فيه أجناس لا يعهد لها نظير في البر،و قد ذكرت أوصافها