إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٢ - المرابطة الخامسة
و لكن قولي بحبي لك،فقالت:لا،يا مولاي بحبه لي أخرجنى من الشرك إلى الإسلام،و بحبه لي أيقظ عينى و كثير من خلقه نيام و قال أبو هاشم القرشي:قدمت علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها سرية،فنزلت في بعض ديارنا،قال فكنت أسمع لها من الليل أنينا و شهيقا،فقلت يوما لخادم لي:أشرف على هذه المرأة ما ذا تصنع.قال فأشرف عليها فما رآها تصنع شيئا غير أنها لا ترد طرفها عن السماء و هي مستقبلة القبلة تقول:خلقت سرية،ثم غذيتها بنعمتك من حال إلى حال، و كل أحوالك لها حسنة،و كل بلائك عندها جميل،و هي مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك فلتة بعد فلتة،أ تراها تظن أنك لا ترى سوء فعالها و أنت عليم خبير،و أنت على كل شيء قدير.
و قال ذو النون المصري:خرجت ليلة من وادي كنعان،فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل عليّ و هو يقول وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [١]و يبكى.فلما قرب منى السواد إذا هي امرأة عليها جبة صوف،و بيدها ركوة،فقالت لي:من أنت؟ غير فزعة منى.فقلت رجل غريب.فقالت يا هذا،و هل يوجد مع اللّه غربة؟قال فبكيت لقولها.فقالت لي:ما الذي أبكاك؟فقلت قد وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه قالت:فإن كنت صادقا فلم بكيت؟قلت.يرحمك اللّه و الصادق لا يبكى؟قالت:لا.
قلت:و لم ذاك؟قالت لأن البكاء راحة القلب.فسكتّ متعجبا من قولها و قال أحمد بن عليّ:استأذنا على عفيرة فحجبتنا،فلازمنا الباب،فلما علمت ذلك قامت لتفتح الباب لنا،فسمعتها و هي تقول:اللهم إنى أعوذ بك ممن جاء يشغلني عن ذكرك.
ثم فتحت الباب و دخلنا عليها،فقلنا لها:يا أمة اللّه ادعي لنا،فقالت،جعل اللّه قراكم في بيتي المغفرة،ثم قالت لنا.مكث عطاء السلمي أربعين سنة،فكان لا ينظر إلى السماء.
فحانت منه نظرة،فخر مغشيا عليه،فأصابه فتق في بطنه.فيا ليت عفيرة إذا رفعت رأسها لم تعص،و يا ليتها إذا عصت لم تعد.
و قال بعض الصالحين:خرجت يوما إلى السوق و معي جارية حبشية،فاحتبستهما
[١] الزمر:٤٣