إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٣ - المرابطة الخامسة
في موضع بناحية السوق،و ذهبت في بعض حوائجي،و قلت:لا تبرحي حتى انصرف إليك قال فانصرفت فلم أجدها في الموضع.فانصرفت إلى منزلى و أنا شديد الغضب عليها،فلما رأتنى عرفت الغضب في وجهي،فقالت يا مولاي لا تعجل عليّ،إنك أجلستني في موضع لم أر فيه ذاكرا للّٰه تعالى،فخفت أن يخسف بذلك الموضع.فعجبت لقولها و قلت لها:
أنت حرة فقالت ساء ما صنعت،كنت أخدمك فيكون لي أجران،و أما الآن فقد ذهب عنى أحدهما و قال ابن العلاء السعدي:كانت لي ابنة عم يقال لها بريرة،تعبّدت و كانت كثيرة القراءة في المصحف،فكلما أتت على آية فيها ذكر النار بكت.فلم تزل تبكي حتى ذهبت عيناها من البكاء فقال بنو عمها.انطلقوا بنا إلى هذه المرأة حتى نعذلها في كثرة البكاء.قال فدخلنا عليها،فقلنا يا بريرة،كيف أصبحت؟قالت أصبحنا أضيافا منيخين بأرض غربة ننتظر متى ندعى فنجيب.فقلنا لها كم هذا البكاء قد ذهبت عيناك منه، فقالت إن يكن لعينيّ عند اللّه خير فما يضرهما ما ذهب منهما في الدنيا.و إن كان لهما عند اللّه شر فسيزيدهما بكاء أطول من هذا.ثم أعرضت.قال فقال القوم قوموا بنا، فهي و اللّه في شيء غير ما نحن فيه و كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار تقول:هذا يومي الذي أموت فيه.فما تطعم حتى تمسى.فإذا جاء الليل تقول:هذه الليلة التي أموت فيها.فتصلي حتى تصبح و قال أبو سليمان الداراني:بت ليلة عند رابعة،فقامت إلى محراب لها،و قمت أنا إلى ناحية من البيت،فلم تزل قائمة إلى السحر.فلما كان السحر قلت:ما جزاء من قوّانا على قيام هذه الليلة؟قالت جزاؤه أن تصوم له غدا و كانت شعوانة تقول في دعائها:إلهى ما أشوقنى إلى لقائك،و أعظم رجائي لجزائك، و أنت الكريم الذي لا يخيب لديك أمل الآملين،و لا يبطل عندك شوق المشتاقين.إلهى إن كان دنا أجلى و لم يقرّبنى منك عملي،فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللى،فإن عفوت فمن أولى منك بذلك؟و إن عذبت فمن أعدل منك هناك!إلهى قد جرت على نفسى في النظر لها و بقي لها حسن نظرك.فالويل لها إن لم تسعدها.إلهى إنك لم تزل بي برا أيام حياتي،فلا تقطع عنى برك بعد مماتي.و لقد رجوت ممن تولانى في حياتي