إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٤ - المرابطة الخامسة
بإحسانه،أن يستعفنى عند مماتي بغفرانه. إلهى كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي، و لم تولني إلا الجميل في حياتي.إلهى إن كانت ذنوبي قد أخافتنى،فإن محبتي لك قد أجارتنى، فتولّ من أمري ما أنت أهله،و عد بفضلك على من غره جهله.إلهى لو أردت إهانتى لما هديتني،و لو أردت فضيحتي لم تسترني،فمتعني بما له هديتني،و أدم لي ما به سترتني.
إلهى ما أظنك تردني في حاجة أفنيت فيها عمري.إلهى لو لا ما قارفت من الذنوب ما خفت عقابك،و لو لا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك و قال الخواص:دخلنا على رحلة العابدة،و كانت قد صامت حتى اسودت،و بكت حتى عميت،و صلت حتى أقعدت،و كانت تصلي قاعدة.فسلمنا عليها،ثم ذكّرناها شيئا من العفو ليهون عليها الأمر،قال فشهقت ثم قالت:علمى بنفسي قرّح فؤادي و كلم كبدى.
و اللّه لوددت أن اللّه لم يخلقني و لم أك شيئا مذكورا .ثم أقبلت على صلاتها فعليك إن كنت من المرابطين المراقبين لنفسك أن تطالع أحوال الرجال و النساء من المجتهدين ،لينبعث نشاطك،و يزيد حرصك.و إياك أن تنظر إلى أهل عصرك،فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه.
و حكايات المجتهدين غير محصورة،و فيما ذكرناه كفاية للمعتبر.و إن أردت مزيدا فعليك بالمواظبة على مطالعة كتاب حلية الأولياء، فهو مشتمل على شرح أحوال الصحابة و التابعين و من بعدهم،و بالوقوف عليه يستبين لك بعدك و بعد أهل عصرك من أهل الدين فإن حدثتك نفسك بالنظر إلى أهل زمانك،و قالت إنما تيسر الخير في ذلك الزمان لكثرة الأعوان ،و الآن فإن خالفت أهل زمانك رأوك مجنونا،و سخروا بك،فوافقهم فيما هم فيه و عليه،فلا يجرى عليك إلا ما يجرى عليهم،و المصيبة إذا عمت طابت.فإياك أن تتدلى بحبل غرورها،و تنخدع بتزويرها،و قل لها:أ رأيت لو هجم سيل جارف يغرق أهل البلد، و ثبتوا على مواضعهم،و لم يأخذوا حذرهم لجهلهم بحقيقة الحال،و قدرت أنت على أن تفارقيهم و تركبي في سفينة تتخلصين بها من الغرق،فهل يحتاج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت؟أم تتركين موافقتهم،و تستجهلينهم في صنيعهم،و تأخذين حذرك مما دهاك! فإذا كنت تتركين موافقتهم خوفا من الغرق ،و عذاب الغرق لا يتمادى إلا ساعة،فكيف