إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٦ - المرابطة السادسة
أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول،و من غير مواعدة و مواطأة ،و أنه لا يأتي في شيء دون شيء،و لا في شتاء دون صيف،و لا في صيف دون شتاء،و لا في نهار دون ليل،و لا في ليل دون نهار،و لا يأتي في الصبا دون الشباب،و لا في الشباب دون الصبا،بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة،فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة،ثم يفضي إلى الموت ،فما لك لا نستعدين للموت و هو أقرب إليك من كل قريب.أما تتدبرين قوله تعالى اِقْتَرَبَ لِلنّٰاسِ حِسٰابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ لاٰهِيَةً قُلُوبُهُم ْ [١]ويحك يا نفس،إن كانت جراءتك على معصية اللّه لاعتقادك أن اللّه لا يراك،فما أعظم كفرك.
و إن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك،و أقل حياءك ويحك يا نفس،لو واجهك عبد من عبيدك،بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه،و مقتك له،فبأي جسارة تتعرضين لمقت اللّه،و غضبه،و شديد عقابه! أ فتظنين أنك تطيقين عذابه؟هيهات هيهات،جربي نفسك،إن ألهاك البطر عن أليم عذابه فاحتبسى ساعة في الشمس،أو في بيت الحمام،أو قرّبي أصبعك من النار،ليتبين لك قدر طاقتك. أم تغترين بكرم اللّه و فضله،و استغنائه عن طاعتك و عبادتك،فما لك لا تعوّلين على كرم اللّه تعالى في مهمات دنياك.فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين الحيل في دفعه،و لا تكلينه إلى كرم اللّه تعالى!و إذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا بالدينار و الدرهم،فما لك تنزعين الروح في طلبها و تحصيلها من وجوه الحيل،فلم لا تعوّلين على كرم اللّه تعالى حتى يعثر بك على كنز،أو يسخّر عبدا من عبيده فيحمل إليك حاجتك من غير اللّه تعالى حتى يعثر بك على كنز،أو يسخّر عبدا من ع بيده فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك و لا طلب،أ فتحسبين أن اللّه كريم في الآخرة دون الدنيا،و قد عرفت أن سنة اللّه لا تبديل لها،و أن رب الآخرة و الدنيا واحد و أن ليس للإنسان إلا ما سعى ويحك يا نفس،ما أعجب نفاقك و دعاويك الباطلة،فإنك تدّعين الإيمان بلسانك و أثر النفاق ظاهر عليك،ألم يقل لك سيدك و مولاك وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّٰ عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا [٢]و قال في أمر الآخرة وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ [٣]فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة
[١] الأنبياء:١،٢،٣
[٢] هود:٦
[٣] النجم:٣٩