إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩ - بيان
وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [١]و قوله عليه السلام[١]«إيّاكم و الظّنّ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث» و أراد به ظنا بغير دليل،كما يستفتى بعض العوام قلبه فيما أشكل عليه و يتبع ظنه.و لصعوبة هذا الأمر و عظمة كان دعاء الصدّيق رضي اللّه تعالى عنه:اللهم أرني الحق حقا و ارزقني اتباعه،و أرني الباطل باطلا و ارزقني اجتنابه،و لا تجعله متشابها علي فأتبع الهوى[٢]و قال عيسى عليه السلام:الأمور ثلاثة:أمر استبان رشده فاتبعه،و أمر استبان غيه فاجتنبه،و أمر أشكل عليك فكله إلى عامله.و قد كان من دعاء النبي صلى اللّه عليه و سلم[٣]«اللّهمّ إنّى أعوذ بك أن أفول في الدّين بغير علم» فأعظم نعمة اللّه على عباده هو العلم،و كشف الحق و الإيمان عبارة عن نوع كشف و علم،و لذلك قال تعالى امتنانا على عبده وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [٢]و أراد به العلم.و قال تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ [٣]و قال تعالى إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ [٤]و قال ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ [٥]و قال وَ عَلَى اللّٰهِ قَصْدُ السَّبِيلِ [٦]و قال علي كرم اللّه وجهه:الهوى شريك العمى،و من التوفيق التوقف عند الحيرة، و نعم طارد الهم اليقين،و عاقبة الكذب الندم،و في الصدق السلامة.رب بعيد أقرب من قريب،و غريب من لم يكن له حبيب،و الصديق من صدق غيبه و لا يعدمك من حبيب سوء ظن.نعم الخلق التكرم،و الحياء سبب إلى كل جميل،و أوثق العرى التقوى،و أوثق سبب أخذت به سبب بينك و بين اللّه تعالى.إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، و الرزق رزقان:رزق تطلبه و رزق يطلبك ،فإن لم تأته أتاك،و إن كنت جازعا على ما أصيب مما في يديك فلا تجزع على ما لم يصل إليك،و استدل على ما لم يكن بما كان،فإنما الأمور أشباه،و المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته،و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه.فما نالك من دنياك فلا تكثرن به فرحا،و ما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفا.و ليكن سرورك بما قدمت،و أسفك على ما خلفت،و شغلك لآخرتك،و همك فيما بعد الموت.و غرضنا
[١] الاسراء:٣٦
[٢] النساء:١١٣
[٣] النحل:٤٣
[٤] الليل:١٢
[٥] القيامة:١٩
[٦] النحل:٩