إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧ - بيان
مفارقتها،فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها،و كل من كره شيئا دفعه عن نفسه ،و الإنسان مشغوف بالأمانى الباطلة،فيمني نفسه أبدا بما يوافق مراده، و إنما يوافق مراده البقاء في الدنيا،فلا يزال يتوهمه و يقدره في نفسه،و يقدر توابع البقاء و ما يحتاج إليه من مال،و أهل،و دار،و أصدقاء،و دواب،و سائر أسباب الدنيا،فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر،موقوفا عليه،فيلهو عن ذكر الموت،فلا يقدر قربه.فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت و الحاجة إلى الاستعداد له،سوّف و وعد نفسه و قال الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب.و إذا كبر فيقول:إلى أن تصير شيخا .فإذا صار شيخا قال:إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار،و عمارة هذه الضيعة،أو ترجع من هذه السفرة،أو تفرغ من تدبير هذا الولد،و جهازه،و تدبير مسكن له،أو تفرغ من قهر هذا العدو الذي يشمت بك.فلا يزال يسوّف و يؤخّر،و لا يخوض في شغل إلا و يتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة أشغال أخر،و هكذا على التدريج يؤخر يوما بعد يوم،و يفضي به شغل إلى شغل،بل إلى أشغال،إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحتسبه،فتطول عند ذلك حسرته و أكثر أهل النار و صياحهم من سوف ،يقولون وا حزناه من سوف.و المسوف المسكين لا يدرى أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا،و إنما يزداد بطول المدة قوة و رسوخا،و يظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا و الحافظ لها فراغ قط و هيهات،فما يفرغ منها إلا من أطرحها
فما قضى أحد منها لبانته و ما انتهى أرب إلا إلى أرب
و أصل هذه الأمانى كلها حب الدنيا،و الأنس بها،و الغفلة عن معنى قوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«أحبب من أحببت فإنّك مفارقه» و أما الجهل فهو أن الإنسان قد يعوّل على شبابه،فيستبعد قرب الموت مع الشباب، و ليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشر رجال البلد،و إنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر،فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي و شاب.و قد يستبعد الموت لصحته،و يستبعد الموت فجأة،و لا يدرى أن ذلك غير بعيد.و إن كان ذلك بعيد