إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١ - المرابطة الثانية
لنفسك و قلبك،و لا يغرنك اجتماعهم عليك،فإنهم يراقبون ظاهرك،و اللّه رقيب على باطنك و حكي أنه كان لبعض المشايخ من هذه الطائفة تلميذ شاب،و كان يكرمه و يقدمه، فقال له بعض أصحابه:كيف تكرم هذا و هو شاب و نحن شيوخ!فدعا بعدة طيور،و ناول كل واحد منهم طائرا و سكينا،و قال:ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد.
و دفع إلى الشاب مثل ذلك،و قال له كما قال لهم.فرجع كل واحد بطائره مذبوحا،و رجع الشاب و الطائر حي في يده.فقال مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك؟فقال لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد،إذ اللّه مطلع عليّ في كل مكان:فاستحسنوا منه هذه المراقبة ،و قالوا حق لك أن تكرم و حكي أن زليخا لما خلت بيوسف عليه السلام.قامت فغطت وجه صنم كان لها،فقال يوسف:ما لك؟أ تستحيين من مراقبة جماد،و لا أستحيي من مراقبة الملك الجبار! و حكي عن بعض الأحداث أنه راود جارية عن نفسها،فقالت له:ألا تستحيي؟فقال ممن أستحيي و ما يرانا إلا الكواكب؟قالت فأين مكوكبها؟ و قال رجل للجنيد :بم أستعين على غض البصر؟فقال:بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه.و قال الجنيد.إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربه عز و جل و عن مالك بن دينار قال:جنات عدن من جنات الفردوس،و فيها حور خلقن من ورد الجنة.قيل له و من يسكنها؟قال:يقول اللّه عز و جل.إنما يسكن جنات عدن الذين إذا هموا بالمعاصي ذكروا عظمتى فراقبونى،و الذين انثنت أصلابهم من خشيتى.و عزتي و جلالي،إنى لأهم بعذاب أهل الأرض،فإذا نظرت إلى أهل الجوع و العطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب و سئل المحاسبي عن المراقبة فقال:أولها علم القلب بقرب الرب تعالى و قال المرتعش:المراقبة مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة و لفظة و يروى أن اللّه تعالى قال لملائكته:أنتم موكلون بالظاهر،و أنا الرقيب على الباطن و قال محمد بن علي الترمذي:اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك،و اجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك،و اجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه،و اجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه و سلطانه و قال سهل:لم يتزين القلب بشيء أفضل و لا أشرف من علم العبد بأن اللّه شاهده حيث كان