تبصرة المتعلمين في أحكام الدين - العلامة الحلي - الصفحة ٧ - نشأته في ظلّ والده
و تشاور معهم الرأي على ما ذا يكون أمرهم و أمر المغول.
و كان مما يروى عن على (عليه السلام)في خطبته الزوراء انه قال عليه السّلام:
«الزوراء و ما ادراك ما الزوراء، ارض ذات أثل يشيّد فيها البنيان، و يكثر فيها السكّان، و يكون فيها مهازم و خزّان. يتّخذها ولد العبّاس موطنا و لزخرفهم مسكنا، تكون لهم دار لهو و لعب، و يكون بها الجور الجائر و الخوف المخيف، و الأئمة الفجرة و الأمراء الفسقة و الوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس و الروم، لا يأتمرون بمعروف إذ عرفوه و لا يتناهون عن منكر إذا نكروه، يكتفى منهم الرجال بالرجال و النساء بالنساء. فعند ذلك الغمّ الغميم و البكاء الطويل و الويل و العويل لأهل الزوراء من سطوات الترك، و هم قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجانّ المطرّقة، لباسهم الحديد، جرد مرد، يقدمهم ملك- يأتي من حيث بدأ ملكهم- جهورىّ الصوت، قوىّ الصّولة عالي الهمّة، لا يمرّ بمدينة الا فتحها، و لا ترفع عليه رأيه الا نكسها، الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك يظفر».
فلما رأوا هذه الأوصاف و وجدوها منطبقة على هولاكو و الأتراك المغول معه، رجوا أن يكون هو الغالب على أمر بني العباس، فاستقر رأيهم على الخلاص من تلك الطامة الكبرى التي أظلتهم و المسلمين عامة، و ذلك بمكاتبة السلطان الفاتح هولاكو بأنهم سامعون مطيعون مطالبون للأمان، دفعا لمعرّته و عبث جنوده. فكتبوا اليه بذلك و أرسلوه اليه على يد رجل من العجم عندهم. فقال هولاكو: إن كانت قلوبهم كما وردت كتبهم فليحضروا إلينا. و بعث إليهم بأميرين من أمرائه أحدهما يقال له: عقلاء الدين و الآخر تكلمة، فجاء الأميران إلى الحلة و بلّغا مقالة هولاكو الى المشايخ، فقال الامام سديد الدين: إن جئت وحدي كفى؟ قال الأميران: نعم، فأبدى استعداده للذهاب الى الدرگاه المغولى مع رسوليه ليفاوض السلطان بشأن بلاده و ضمان سلامة أهله و مقدّساته على أن يضمن هو للسلطان الطاعة و التسليم.
فلما حضر عند السلطان قال هولاكو: كيف أقدمتم على مكاتبتي و الحضور عندي قبل أن تعلموا ما يؤول إليه أمري و أمر صاحبكم؟! يقصد المستنصر باللّه الخليفة العباسي إذ كان ذلك قبل قتله و فتح بغداد، فقال الشيخ سديد الدين: انما أقدمنا على ذلك ما رويناه عن على (عليه السلام)في خطبة الزوراء فقرأها عليه ثم قال: فلما وصف ذلك