القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٩ - المقالة الثالثة فى تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس
فإذا عرفت هذا القانون فيجب الآن أن نقتص عليك ما يقوله الأطباء في الطعوم والروائح والألوان، فإنهم يجعلون الطعوم البسيطة كلها تسعة، وهي وإن كان لا بدّ ثمانية طعوم، وواحد هو عدم الطعم، وهو التفه المسيخ الذي لا يكون له طعم ولا يدرك منه طعم البتّة، كالماء.
وإنهم يسمون بالطعم كل ما يحكم عليه بالذوق حكماً وهو بالفعل، أو حكماً وهو بالقوة ولم ينفعل البتة، وهو الذي لا طعم له، وهو على وجهين: إما تفه عادم للطعم بالحقيقة، وإما تفه عادم له عند الحس. والتفه في القيقة هو الذي لا طعم له بالحقيقة والتفه عند الحس هو الذي له في نفسه طعم، الا أنه لشد تكاثفه لا يتحلل منه شيء، يخالط اللسات فيدركه، ثم إذا احتيل في تحليل أجزائه وتلطيفها أحس طعمه، مثل النحاس والحديد، فإن اللسان لا يدرك منهما طعماً، لأنه لا يتحلّل من جرمهما شيء يصير إلى الرطوبة المبثوثة في أعلى اللسان التي هي واسطة في حس الذوق، ولو احتيل في تهيئته أجزاء صغار ظهر له طعم قوي، ومثل هذا أشياء كثيرة.
وأما الطعوم الثمانية التي يذكرونها التي هي بالحقيقة طعوم بعد التفه، فهي الحلاوة، والمرارة، والحرافة، والملوحة، والحموضة، و العفوصة، و القبض، والدسومة. ويقولون: إن الجوهرالحامل للطعم إما أن يكون كثيفاً أرضياً، وإما أن يكون لطيفاً، وإما أن يكون معتدلًا. وقوته إما أن تكون حارة، وإما أن تكون باردة، وإما أن تكون متوسّطة. والكثيف الأرضي إن كان حاراً فهو مر، وإن كان بارداً فهو عفص، وإن كان معتدلًا فهو حلو. واللطيف إن كان حاراً فهو حريف، ران كان بارداً فهو حامض، وإن كان معتدلًا فهو دسم. والمتوسّط في الكثافة واللطف، إن كان حاراً فهو مالح، وإن كان بارداً فهو قابض، وان كان معتدلًا، فقد قالوا إنه تفه، وفي التفه كلام. والحريف أسخن، ثم المر، ثم المالح، لأن الريف أقوى على التحليل والتقطيع والجلاء من المر، ثم المالح كأنه مر مكسور برطوبة باردة يدل عليه ما ذكرناه من نحو تكونه، وكذلك إذا سخن المالح بشمس، أو نار أو بمفارقة المائية الكاسرة من قوة الحرارة صار مرًا، وكذلك البورق. والمحلل المر أسخن من الملح المأكول، والعفص هو الأبرد، ثم القابض، ثم الحامض، ولذلك تكون الفواكه التي تحلو تكون أولًا فيها عفوصة شديدة التبريد، فإذا جرت فيها هوائية ومائية حتى تعتدل قليلًا بالهوائية وبإسخان الشمس المنضج، مالت إلى الحموضة، مثل الحصرم، وفيما بين ذلك تكون إلى قبض يسير ليس بعفوصة، ثم تنتقل إلى الحلاوة إذا عملت فيها الحرارة المنضجة، وربما انتقل من العفوصة إلى الحلاوة من غير تحمض مثل الزيتون. لكن الحمض وإن كان أقل برداً من العفص فهو في الأكثر أكثر تبريداً منه للطافته ونفوذه. والعفص والقابض يتقاربان في الطعم، لكن القابض إنما يقبض ظاهر اللسان والعفص يقبض ويخشن الظاهر والباطن ومما يعنيه على تخشينة أنه لا ينقسم لكثافته إلى أجزاء صغار بسرعة ولا يلتحم بعضه ببعض بسرعة. و لهاتين حالتين تفترق مواقعه من اللسان افتراقاً محسوساً، فيختلف قبضه في أجزائه، فيختلف وضعها، فيخشن ويعين على ذلك اختلاف أجزاء