القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٧٥ - الفصل الحادي عشر النبض الذي توجبه المتناولات
الفصل الحادي عشر النبض الذي توجبه المتناولات
المتناول يغيّر حال النبض بكيفيته وكميته.
أما بكيفيته فبأن يميل إلى التسخين أو التبريد فيتغيّر بمقتضى ذلك.
وأما في كميته فإن كان معتدلًا صار النبض زائداً في العظم والسرعة والتواتر لزيادة القوة والحرارة، ويثبت هذا التأثير مدة. وإن كان كثير المقدار جداً صار النبض مختلفاً بلا نظام لثقل الطعام على القوة، وكل ثقل يوجب اختلاف النبض.
وزعم أركاغانيس أن سرعته حينئذ تكون أشد من تواتره وهذا التغير لابث لأن السبب ثابت، وإن كان في الكثرة دون هذا كان الاختلاف منتظماً، وإن كان قليل المقدار كان النبض أقل اختلافاً وعظماً وسرعة ولا يثبت تغيره كثيراً لأن المادة قليلة فينهضم سريعاً، ثم إن خارت القوة وضعفت من الإكثار والإقلال أيهما كان تضاهي النبضان في الصغر والتفاوت آخر الأمر، وإن قويت الطبيعة على الهضم والإحالة عاد النبض معتدلًا.
لشراب خصوصية، وهو أن الكثير منه وأن كان يوجب الاختلاف فلا يوجب منه قدراً يعتد به وقدراً يقتضي إيجابه نظيره من الأغذية، وذلك لتخلخل جوهره ولطافته ورقته وخفته، وأما إذا كان الشراب بارداً بالفعل فيوجب ما يوجبه الباردات من التصغير وإيجاب التفاوت والبطء إيجاباً بسرعة لسرعة نفوذه ثم إذا سخن في البدن أوشك أن يزول ما يوجبه، والشراب إذا نفذ في البدن وهو حار لم يكن بعيداً جداً عن الغريزة وكان يعرض تحلل سريع ليان نفذ بارداً بلغ في النكاية ما لا يبلغه غيره من الباردات لأنها تتأخر إلى أن تسخن ولا تنفذ بسرعة نفوذه وهذا يبادر إلى النفوذ قبل أن يستوي تسخنه وضرر ذلك عظيم، وخصوصاً بالأبدان المستعدة للتضرر به وليس كضرر تسخينه إذا نفذ سخيناً، فإنه لا يبلغ تسخينْه في أول الملاقاة أن ينكي نكاية بالغة بل الطبيعة تتلقاه بالتوزيع والتحليل والتفريق.
وأما البارد فربما أقعد الطبيعة وخمد قوتها قبل أن ينهض للتوزيع والتفريق والتحليل فهذا ما يوجبه الشراب بكثرة المقدار وبالحرارة والبرودة وأما إذا اعتبر من جهة تقويته، فله أحكام أخرى لأنه بذاته مقو للأصحاء ناعش للقوة بما يزيد في جوهر الروح بالسرعة.
وأما التبريد والتسخين الكائن منه وأن كان ضاراً بالقياس إلى أكثر الأبدان فكل واحد منهما قد يوافق مزاجاً وقد لا يوافقه، فإن الأشياء الباردة قد تقوي الذي بهم سوء مزاج كما ذكر جالينوس، أن ماء الرمان يقوي المحرورين دائماً، وماء العسل يقوي المبرودين دائماً فالشراب من طريق ما هو حار الطبع أو بارد الطبع قد يقوّي طائفة ويضعف أخرى.
وليس كلامنا في هذا الآن بل في قوته التى بها يستحيل سريعاً إلى الروح فإن ذلك بذاته مقو دائماً فإن أعانه أحدهما في بدن ازدادت تقويته، وإن خالفه انتقصت تقويته بحسب ذلك