القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٠ - الفصل الثالث أمزجة الأسنان والأجناس
جوهرها أيضاً. و هكذا يجب أن تفهم من حال البلغم والدم من جهة، وهو أن ترطيب البلغم في أكثر الأمر هو على سبيل البل، وترطيب الدم هو على سبيل التقرير في الجوهر. على أن البلغم الطبيعي المائي قد يكون في نفسه أشد رطوبة. فإن الدم بما يستوفي حظه من النضج يتحلل منه شيء كثير من الرطوبة التي كانت في البلغم المائي الطبيعي الذي استحال إليه. فستعلم بعد أن البلغم الطبيعي دم استحال بعض الاستحالة.
وأما أيبس ما في البدن فالشّعر، لأنه من بخار دخاني تحلل ما كان فيه من خلط البخار وانعقدت الدخانية الصرفة، ثم العظم لأنه أصلب الأعضاء، لكنه أصلب من الشعر، لأن كون العظم من الدم ووضعه وضع نَشَاف للرطوبات الغريزية متمكن منها. ولذلك ما كان العظم يغذو كثيراً من الحيوانات والشعر لا يغذو شيئاً منها أو عسى أن يغذو نادرا" من جملتها كما قد ظن من أن الخفافيش تهضمه وتسيغه. لكنا إذا أخذنا قدرين متساويين من العظم والشعر في الوزن، فقطرناهما في القرع والإنبيق سال من العظم ماء ودهن كثر، وبقي له ثقل أقل. فالعظم إذاً أرطب من الشعر. وبعد العظم في اليبوسة الغضروف، ثم الرباط، ثم الوتر، ثم الغشاء، ثم الشرايين، ثم الأوردة، ثم عصب الحركة، ثم القلب، ثم عصب الحسّ. فإن عصب الحركة أبرد وأيبس معاً كثيراً من المعتدل. وعصب الحس أبرد وليسَ أيبس كثيراً من المعتدل بل عسى أن يكون قريباً منه، وليس أيضاً كثير البعد منه في البرد ثم الجلد.
الفصل الثالث أمزجة الأسنان والأجناس
الأسنان أربعة في الجملة: سن النمو ويسمّى سن الحداثة، وهو إلى قريب من ثلاثين سنة، ثم سن الوقوف: وهو سن الشباب، وهو إلى نحو خمس وثلاثين سنة أو أربعين سنة، وسن الانحطاط مع بقاء من القوة: وهو سن المكتهلين وهو إلى نحو ستين سنة، وسن الانحطاط مع ظهور الضعف في القوة: وهو سن الشيوخ إلى آخر العمر.
لكن سن الحداثة ينقسم إلى: سن الطفولة: وهو أن يكون المولود بعد غير مستعد الأعضاء للحركات والنهوض، وإلى سن الصبا: وهو بعد النهوض وقبل الشدة، وهو أن لا تكون الأسنان استوفت السقوط والنبات ثم سن الترعرع: وهو بعد الشدة ونبات الأسنان قبل المراهقة، ثم سن الغلامية والرهاق إلى أن يبقل وجهه. ثم سن الفتى: إلى أن يقفل النمو. والصبيان أعني من الطفولة إلى الحداثة مزاجهم في الحرارة كالمعتدل، وفي الرطوبة كالزائد، ثم بين الأطباء الأقدمين اختلاف في حرارتي الصبي والشاب، فبعضهم يرى أن حرارة الصبي أشد، ولذلك ينمو أكثر، وتكون أفعاله الطبيعية من الشهوة والهضم كذلك كثر وأدوم، لأن الحرارة الغريزية المستفادة فيهم من المني أجمع وأحدث.
وبعضهم يرى أن الحرارة الغريزية في الشبان أقوى بكثير لأن دمهم أكثر وأمتن، ولذلك يصيبهم الرُعاف أكثر وأشد، ولأن مزاجهم إلى الصفراء أميل، ومزاج الصبيان إلى البلغم أميل،