القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٢٤ - الفصل التاسع التغيرات الهوائية الرديئة المضادة للمجرى الطبيعي
ويابسة لأنها لا يصحبها أبخرة كثيرة لأن التحلل في جهة الشمال أقل، ولا تجتاز على مياه سائلة بحرية، بل إما أن تجتاز في الأكثر على مياه جوامد، أو على البراري. والمشرقية معتدلة في الحر والبرد، لكنها أيبس من المغربية، إذ شمال المشرق أقل بخاراً من شمال المغرب. ونحن شماليون لا محالة، والمغربية أرطب يسيراً لأنها تجتاز على بحار، ولأن الشمس تخالفها بحركتها، فإن كل واحد من الشمس، ومنها كالمضاد للآخر في حركته، فلا تحللها الشمس تحليلها للرياح المشرقية، وخصوصاً وأكثر مهب الرياح المشرقيات عند ابتداء النهار، وأكثر مهب المغربيات عند آخر النهار. ولذلك كانت المغربيات أقل حرارة من المشرقيات وأميل إلى البرد، والمشرقيات أكثر حراً، وإن كانا كلاهما بالقياس إلى الرياح الجنوبية والشمالية معتدلين. وقد تتغير أحكام الرياح في البلاد بحسب أسباب أخرى. فقد يتفق في بعض البلاد أن تكون الرياح الجنوبية فيها أبرد إذا كان بقربها جبال ثالجة جنوبية، فتستحيل الريح الجنوبية بمرورها عليها إلى البلاد، وربما كانت الشمالية أسخن من الجنوبية إذا كان مجتازها ببراري محترقة. وأما النسائم، فهي إما رياح مجتازة ببراري حارة جداً، وإما رياح من جنس الأدخنة التي تفعل في الجو علامات هائلة شبيهة بالنار، فإنها إن كانت ثقيلة يعرض لها هناك اشتغال أو التهاب، ففارقها اللطيف نزل الثقيل وبه بقية التهاب ونارية، فإن جميع الرياح القوية على ما يراه علماء القدماء إنما يبتدىء من فوق، وإن كان مبدأ موادها من أسفل، لكن مبدأ حركاتها وهبوبها وعصوفها من فوق. وهذا، إما أن يكون حكماً عاماً، أو أكثرياً. وتحقيق هذا إلى الطبيعي من الفلسفة. ونحن نذكر في المساكن فضلًا في هذا. وأما اختلاف البلاد بالتربة، فلأن بعضها طينة حرة، وبعضها صخري، وبعضها رملي، وبعضها حمئي، أو سنجي، ومنها ما يغلب على تربته قوة مدنية يؤثر جميع ذلك في هوائه ومائه.
الفصل التاسع التغيرات الهوائية الرديئة المضادة للمجرى الطبيعي
وأما التغيرات الخارجة عن الطبيعة، فإما لاستحالة في جوهر الهواء، وإما لاستحالة في كيفياته. أما الذي في جوهره، فهو أن يستحيل جوهره إلى الرداءة لأن كيفية منه أفرطت في الاشتداد أو النقص، وهذا هو الوباء وهو بعض تعفن يعرض في الهواء يشبه تعفن الماء المستنقع الآجن. فإنا لسنا نعني بالهواء البسيط المجرد فان ذلك ليس هو الهواء الذي يحيط بنا، فإن كان موجوداً صرفاً، نعني أن يكون غيره. وكل واحد من البسائط المجرّدة فإنه لا يعفن، بل إما أن يستحيل في كيفيته، وإما أن يستحيل في جوهره إلى البسبط الَاخر بأن يستحيل مثل الماء هواء، بل إنما نعني بالهواء الجسم المبثوث في الجو، وهو جسم ممتزج من الهواء الحقيقي ومن الأجزاء المائية البخارية ومن الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار، ومن أجزاء نارية. وإنما نقول له كما نقول لماء البحر والبطائح ماء. وإن لم يكن ماء صرفاً بسيطاً بل كان ممتزجاً من هواء وأرض ونار، لكن الغالب فيه الماء فهذا الهواء قد يعفن ويستحيل جوهره إلى