القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١١١ - الفصل الثامن تمام القول في الأمراض
لا يستبان فيهما حال المرض، بل لكل واحد منهما زمان محسوس يكون له حكم مخصوص. و وقت الإبتداء هو الزمان الذي يظهر فيه المرض ويكون كالمتشابه في أحواله لا يستبان فيه تزايده. و التزايد هو الوقت الني يستبان فيه اشتداده كل وقت بعد وقت. و وقت الانتهاء هو الوقت الذي يقف فيه المرض في جميع أجزائه على حالة واحدة. و الانحطاط هو الزمان الذي يظهر فيه انتقاصه. وكل ما أمعن كان الانتقاص أظهر. و هذه الأوقات قد تكون بحسب المرض من أوله إلى آخره في نوائبه وتسمى أوقاتاً كلية، وقد تكون بحسب نوبة نوبة وتسمى أوقاتا جزئية.
الفصل الثامن تمام القول في الأمراض
إن الأمراض قد تلحقها التسمية من وجوه. إمّا من الأعضاء الحاملة لها كذات الجنب وذات الرئة، وإما من أعراضها كالصرع، وإما من أسبابها كقولنا مرض سوداوي، وإما من التشبيه كقولنا داء الأسد، وداء الفيل، وإما منسوباً إلى أول من يذكر أنه عرض له ذلك كقولهم قرحة طيلانية منسوبة إلى رجل يسمى" طيلانس" وإما منسوباً إلى بلدة يكثر حدوثها فيه كقولهم القروح البلخية، وإما منسوباً إلى من كان مشهوراً بالإنجاح في معالجاتها كالقرحة السيروتية، وإما من جواهرها وذواتها كالحمى والورم.
قال" جالينوس": إن الأمراض إمّا ظاهرة فتعرف حساً، وإما باطنة سهلة الوقوف عليها كأوجاع المعدة والرئة، أو عسرة الوقوف عليها كآفات الكبد ومجاري الرئة، وإما غير مدركة إلا بالتخمين كالآفات العارضة لمجاري البول. والأمراض قد تكون خاصة، وقد تكون بالشركة، والعضو يشارك عضواً في مرضه، إما لأنهما متواصلان بالطبع يتّصل بينهما الات كالدماغ والمعدة يوصل بينهما العصب والرحم والثدي يوصل الأوردة بينهما، وإما لأن أحدهما طريق إلى الثاني كالأربيتين لورم الساق، وإما لأنهما متجاوران كالرئة والدماغ فكل يشرك الآخر، وخصوصاً إذا كان أحدهما حاراً ضعيفاً فيقبل الفضل من صاحبه كالإبط للقلب، وإما لأن أحدهما مبدأ فاضل لفعل الثاني كالحجاب للرئة في التنفس، وإما لأن أحدهما يخدم الثاني كالعصب للدماغ، وإما لأنهما يشاركان عضواً ثالثاً مثل الدماغ تشارك الكلية بسبب أن كل واحد منهما يشارك الكبد. وربما عادت الشركة. وبالأمثل أن الدماغ إذا لم تشاركه المعدة فضعف هضمها فأوصلت إليه أبخرة رديئة وغذاء غير منهضم، فزادت في ألم الدماغ نفسه. والمشاركة تجري على أحكام الأصل في الدوام وفي الدور.
و مراتب الأبدان من الصحة والمرض ستة على ما نحن نصفه: بدن في غاية الصحة، وبدن في الصحة دون الغاية، وبدن لا صحي ولا مرضيّ، كما قيل، ثم البدن المستقام القابل للصحة سريعاً، ثم البدن المريض مرضاً يسيراً، ثم البدن المريض في الغاية، وكل مرض إما مسلم، وإما غير مسلم. والمسلم هو المرض الذي لا عائق عن معالجته كما ينبغي. وغير المسلم هو الذي يقترن به عائق لا يرخص في صواب تدبيره مثل الصداع إذا قارنته النزلة.