القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٥٤ - الفصل الأول كلام كلي في الأعراض والدلائل
العضو حتى يستدلّ على مرضه من حصول الآفة في فعله هذا كله مما يوقف عليه بالتشريح ليعلم أنه لا بد للطبيب المحاول تدبير أمراض الأعضاء الباطنة من التشريح، فإذا حصل له علم التشريح، فيجب أن يعتمد بعد ذلك في الاستدلال على الأمراض الباطنة قوانين ستة:
أولها: من مضار الأفعال، وقد علمت الأفعال بكيفيتها وكميتها ودلالتها دلالة أولية دائمة. والثاني: مما يستفرغ ودلالتها دائمة وليست بأولية، أما دائمة فلأنها توقع التصديق دائماً، وأما غير أولية فلأنها تدل بتوسط النضج وعدم النضج. والثالث: من الوجع، والرابع: من الورم، والخامس: من الوضع، والسادس: من الأعراض الظاهرة المناسبة. ودلالتها ليست بأولية ولا دائمة ولنفصل القول في واحد واحد مها.
أما الاستدلال من الأفعال فهو أنه إذا لم يجر فعل العضو على المجرى الطبيعي الذي له، دلّ على أن القوة أصابتها آفة. وآفة القوة تتبع مرضاً في العضو الذي القوة فيه. ومضار الأفعال على وجوه ثلاثة فإن الأفعال، إما أن تنقص كالبصر تضعف رؤيته، فيرى الشيء أقل اكتناهاً ومن أقرب مسافة والمعدة تهضم أعسر وأبطأ وأقل مقداراً، وإما أن يتغير كالبصر يرى ما ليس، أو يرى الشيء رؤية على غير ما هو عليه، وكالمعدة تفسد الطعام وتسيء هضمه. وإما أن تبطل كالعين لا ترى والمعدق لا تهضم البتة.
وأما دلائل ما يستفرغ ويحتبس فمن وجوه، إما أن يدل من طريق احتباس غير طبيعي مثل احتباس شيء من شأنه أن يستفرغ لمن يحتبس بوله أو برازه، أو يدل من طريق استفراغ غير طبيعي وذلك: إما لأنه من جوهر الأعضاء، وإما لا. كذلك والذي يكون من جوهر الأعضاء فيدل بوجوه ثلاثة لأنه: إما أن يدل بنفس جوهره كالحلق المنفوثة تدل على تآكُلٍ في قصبة الرئة، وإما أن يدل بمقداره كالقشرة البارزة في السحج فإنها إن كانت غليظة دلت على أن القرحة في الأمعاء الغلاظ. أو رقيقة دلت على أنها في الرقاق. وإما أن يدل بلونه كالرسوب القشري الأحمر فإنه يدل على أنه من الأعضاء اللحمية، كالكلية والأبيض. فإنه يدل على أنه من الأعضاء العصبية كالمثانة. والذي يدلّ على أنه لا من جوهر الأعضاء فيدلّ إما لأنه غير طبيعي الخروج، كالأخلاط السليمة والدم إذا خرج وإما لأنه غير طبيعي الكيفية، كالدم الفاسد كان معتاد الخروج أو لم يكن وإما لأنه غير طبيعي الجوهر على الإطلاق مثل الحصاة. وإما لأنه غير طبيعي المقدار وإن كان طبيعي الخروج، وذلك إما بأن يقل أو يكثر كالثفل والبول القليلين والكثيرين، وإما لأنه غير طبيعي الكيفية وإن كان معتاد الخروج كالبراز والبول الأسودين وإما لأنه غير طبيعي جهة الخروج، وإن كان معتاد الخروج مثل البراز إذا خرج في علّةإيلاوس من فوق.
وأما دلائل الوجع فهي تنحصر في جنسين: وذلك أن الوجع، إما أن يدلّ بموضعه فإنه مثلًا إن كان عن اليمين فهو في الكبد، وإن كان في اليسار فهو في الطحال.