القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٥٣ - الفصل الأول كلام كلي في الأعراض والدلائل
وقد يدلّ المحسوس الظاهر منها على أمر باطن كما تدل حمرة الوجنة على ذات الرئة، وتحدّب الظفر على قرحة الرئة. والاستدلال من الحركات والسكونات مما يقتضي فضل بسط نبسطه. فالأعراض المأخوذة من باب السكون هي مثل السكتة والصرع والغشي والفالج. والمأخوذة من باب الحركة فهي مثل القشعريرة والنافض والفواق والعطاس والتثاؤب والتمطي والسعال والاختلاج والتشنج عندما يبتدىء بتشنج، فمن ذلك ما هو عن فعل الطبيعة الأصلية كالفواق، ومن ذلك ما هو عن فعل طبيعة عارضة كالتشنج والرعشة. ومنها ما هي إرادية صرفة لقلق والململة، ومنها ما هي مركبة من طبيعية وارادية مثل السعال والبول، فمن ذلك ما يسبق فيه الإرادة الطبيعة مثل السعال، ومنها ما يسبق فيه الطبيعة الإرادة إذا لم تبادر إليها الإرادة مثل البول والبراز والعارض عن الطبيعة دون إرادة. ومنها ما يكون المنبه عليه الحس كالقشعريرة، ومنها ما لا ينبه عليه الحس لأنه لا يحسّ كالاختلاخ.
وهذه الحركات تختلف إما باختلاف ذواتها، فإن السعال أقوى في نفسه من الاختلاج، وإما باختلاف عدد المحرِّكات فإن العطاس أكثر عدد محركات من السعال، لأن السعال يتم بتحريك أعضاء الصدر، وأما العطاس فيتم باجتماع تحريك أعضاء الصدر والرأس جميعاً.
وإما بمقدار الخطر فيها فإن حركة الفواق اليابس أعظم خطراً من حركة السعال وإن كان السعال أقوى. و إما بما تستعين به الطبيعة فقد تستعين بآلة ذاتية أصلية كما تستعين في إخراج الثفل بعضل البطن، وقد تستعين بآلة غريبة كما تستعين في السعال بالهواء، وإما باختلاف المبادىء لها من الأعضاء مثل السعال والتهوّع، وإما باختلاف القوى الفعالة فإن الاختلاج مبدؤه طبيعي، والسعال نفساني. وإما باختلاف المادة فإن السعال عن نفث، والاختلاج عن ريح فهذه علامات تدل من ظاهر الأعضاء. وأكثر دلالتها على أحوال ظاهرة وقد تدل على الباطنة كحمرة الوجنة على ذات الرئة.
ومن العلامات علامات يستدل بها على الأمراض الباطنة وينبغي أن يكون المستدل على الأمراض الباطنة قد تقدّم له العلم بالتشريح حتى يحصل منه معرفة جوهر كل عضو أنه هل هو لحمي أو غير لحمي، وكيف خلقته ليعرف مثلًا أنه هل هذا الورم بهذا الشكل فيه أو في غيره من جهة أنه هل هو مناسب لشكله أو غير مناسب. ويتعرّف أنه هل يجوز أن يحتبس فيه شيء أو لا يجوز، إذ هو مزلق لما يحصل فيه كالصائم، وإن كان يجوز أن يحتبس فيه شيء أو يزلق عنه شيء، فما الشيء الذي يجوز أن يحتبس فيه أو يزلق عنه، وحتى يعرف موضعه فيقضي بذلك على ما يحس من وجع أو ورم هل هو عليه أو على بعد منه، وحتى يعرف مشاركته حتى يقضي على أن الوجع له من نفسه أو بالمشاركة، وأن المادة انبعثت منه نفسه أو وردت عليه من شريكه، وأن ما انفصل منه هو من جوهره أو هو ممرّ ينفذ فيه المنفصل من غيره، وحتى يعرف أن على ماذا يحتوي فيعرف أنه هل يجوز أن يكون مثل المستفرغ مستفرغاً عنه وأن يعرف فعل