القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٥ - المقالة الثالثة فى تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس
يكون قد فعل ما فعل بالعرض، كأنه فعل أولًا فعلًا خفياً تبعه بالعرض هذا الفعل الأخير الظاهر. وهذا الإشكال والاشتباه في قوة الدواء.
والحدس أن فِعْلَهُ إنما كان بالعرض، قد يقوَى إذا كان الفعل إنما ظهر منه بعد مفارقته ملاقاة العضو، فإنه لو كان يفعل بذاته لفعل، وهو ملاق للعضو، ولاستحال أن يقصر وهو ملاق، ويفعل وهو مفارق، وهذا هو حكم أكثري مقنع.
وربما اتفق أن يكون بعض الأجسام يفعل فعله الذي بالذات بعد فعله الذي بالعرض، وذلك إذا كان اكتسب قوة غريبة تغلب الطبيعية، مثل الماء الحار، فإنه في الحال يسخن. وأما من اليوم الثاني، أو الوقت الثاني الذي يزول فيه تأثيره العرضي، فإنه يحدث في البدن برداً لا محالة لاستحالة الأجزاء المستعقبة منه إليالحالة الطبيعية من البرد الذي فيه.
والسادس: أن يراعى استمرار فعله على الدوام أو على الأكثر، فإن لم يكن كذلك، فصدور الفعل عنه بالعرض. لأن الأمور الطبيعية تصدر عن مباديها، إما دائمة، وإما على الأكثر.
والسابع: أن تكون التجربة على بدن الإنسان، فإنه إن جرب على غير بدن الإنسان، جاز أن يتخلّف من وجهين:
أحدهما: أنه قد يجوز أن يكون الدواء بالقياس إلى بدن الإنسان حاراً، وبالقياس إلى بدن الأسد والفرس بارداً، إذا كان الدواء أسخن من الإنسان، وأبرد من الأسد والفرس، ويشبه فيما أظن أن يكون الراوند شديد البرد بالقياس إلى الفرس، وهو بالقياس إلى الإنسان حار.
والثاني أنه قد يجوز أن يكون له بالقياس إلى أحد البدنين خاصية ليست بالقياس إلى البدن الثاني، مثل البيش، فإن له بالقياس إلى بدن الإنسان خاصية السمية، وليست له بالقياس إلى بدن الزرازير.
فهذه القوانين التي يجب أن تراعى في استخراج قوى الأدوية من طريق التجربة فاعلم ذلك.
المقالة الثالثة فى تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس
وأما تعرّف قوى الأدرية من طريق القياس، فالقوانين فيه بعضها مأخوذ من سرعة استحالتها إلى النار والتسخن، ومن بطء استحالتها، ومن سرعة جمودها، وبطء جمودها، وبعضها مأخوذ من الروائح، وبعضها مأخوذ من الطعوم، وقد تؤخذ من الألوان، وقد تؤخذ من أفعال وقوى معلومة، فيكتسب منها دلائل واضحة على قوى مجهولة.