القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٦ - المقالة الثالثة فى تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس
وأما الطريق الأول، فإن الأشياء المتساوية في قوام الجوهر أعني في التخلخل والتكاثف أيها قَبِلَ السخونة أسرع، فهو أسخن، وأيها قَبِل البرودة أسرع، فهو أبرد. ومن أحد الأسباب في ذلك، أن الشيء قد يَسْخُنُ أسرع من الآخر، والفاعل واحد، لأنه في نفسه أسخن من الآخر، وإنما كان البرد العارض برَدَهُ، فلما وافاه الحار من خارج ووطاه القوة الحارة الطبيعية فيه، ساوى الآخر في السبب الخارج، وفضل عليه بالقوة التي فيه، فْصار أسخن. وعلى هذا فاعرف حال الذي يبرد أسرع، وبعد ذلك ففي- تعليله كلام طويل يتولاه المتكلم في أصول الطبيعيات غير الطبيب.
وأما إذا كان أحدهما أشد تخلخلًا، والآخر أشدّ تكاثفاً، فإن الذي هو أشد تخلخلًا وإن كان في مثل برد الآخر وحره فإنه ينفعل أسرع لضعف جرمه، وأما الأشياء التي من شأنها أن تجمد، والأشياء التي من شأنها أن تشتعل ناراً، فيجوز أن يتقايس بعضها ببعض. وما كان أسرع جموداً وقوامه كقوام الآخر، فهو أبرد، وما كان أسرع اشتعالًا وقوامه كقوام الآخر، فهو أسخن لمثل ما قلنا، ولأنا إنما نقول للشيء إنه أبرد وأسخن بالقياس إلى تأثير الحرارة الغريزية التي فينا فيه، فإذا كان هذا أبعد من الجمود وأسرع إلى الاشتعال، قضينا أنه في التأثر عن حرارتنا الغريزية بتلك الصفة، وهذه الأصول يُبرهن عليها كما ينبغي في العلم الطبيعي. وأما إذا اختلف شيئان في التخلخل والتكاثف، ثم وجد المتكاثف منهما أشد اشتعالًا وأبطأ جموداً، فاحكم أنه لا محالة أسخن جوهراً. وكذلك إن وجدت المتخلخل منها أسرع اشتعالًا، فليس لك أن تجزم القضية فتجعله بهذا السبب أشد حرَّا، فربما كان التخلخل هو السبب في سرعة اشتعاله، كما أنك إن وجدت المتخلخل منهما أسرع جموداً، فليس لك أن تجزم القضية، فتجعله بهذا السبب أشد برداً، فربما كان التخلخل هو السبب في سرعة جموده لضعف جرمه وسرعة انفعاله، مثل الخمر، فإنه وان كان أسخن من دهن القرع، فإنه يجمد أسرع من جمود ذلك الدهن، بل ذلك الدهن قد يخثر ولا يجمد. والشراب يجمد، فإن من الأشياء ما يجمد من غير خثورة، ومن الأشياء ما يخثر من غير جمود. ومعرفة هذا في العلم الطبيعي.
وأما الأشياء القابلة للخثورة إذا تساوت في قوام الجوهر، فأقبلها للخثورة من البرد هو أبردها، وكثير من الأشياء إنما تجمد في الحر، والأشياء التي من شأنها أن تجمد بالحر كلها تنحل بالبرد، كما أن الأشياء التي تجمد بالبرد كلها تنحل بالحر، والحر يجمد بالتخفيف، والبرد ينحلّ بالترطيب على رأي جالينوس. ورأي الفيلسوف الأول قد يخالفه في شيء يسير واستقصاء ذلك في علم آخر. وإذا كانت الأدوية بعضها أسخن لكنه أغلظ، أمكن أن يكون قبوله للجمود كقبول الذي هو أبرد منه لغلظه، وإذا كان بعضها أبرد، لكنه أرقّ أمكن أن يكون قبوله للاشتغال مثل قبول الذي هو أسخن منه لرقّته. والخثورة والانعقاد لا تدل على زيادة