القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٩٨ - المقالة الثالثة فى تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس
إلى الآخر، كثير الكيفية والقوة، لم يؤثر البتّة أثراً في لون ذلك الآخر، وقهره بالقوة قهراً شديداً حتى كان كأنه ليس له قوة وجودة البتّة.
تأمل الحال في رطل من اللبن، لو خلطته بمثقالين من الفربيون خلطا كشيء واحد أليس كان المجتمع منهما مسخناً في الغاية، والحس لا يدرك الفربيون منهما، لا لونه ولا عدمه اللون لو كان عادماً للون، إنما يرى بياضاً صرفاً، فيكون قد صدقنا أن هذا البياض هو بجوهر بارد، مثلًا إن فرضنا اللبن بارداً، وكذبنا إن قلنا إن هذا الجوهر المشروب بارد، وذلك لأن هذا البياض ليس هو لوناً لهذا المشروب المجتمع من جهة ما هو مشروب مجتمع، بل هو لون لأحد بسيطيه الغالب بالمقدار المغلوب بالقوة الذي هو محسوس منهما، فهكذا يجب أن يتصورالحال في الأبيض الطبيعي الامتزاج الذي هو في غاية الحر، ونتوقعه أن يكون بارداً مثل الفلفل الأبيض، فإنه كما أن هذا هو الذي يمتزج بالصناعة، فكذلك قد يمتزج بالطبيعة، فتكون الصورة هي هذه الصورة، إلا أن من هذد الكيفيات المحسوسة ما الأولى أن يكون ما يخالطها من الضد يؤثر فيها أثراً بيناً، وأنها ما دامت كيفياتها صادقة محسوسة لا تحس أضدادها فيها فهي غالبة للقوى. وهذا هو في الطعوم لا على أنه واجب بل على أنه أكثري، وبعد الطعوم في الروائح وبعدهما في الألوان، وهو في الألوان كغير الموثوق به.
ومن الأسباب التي فاقت فيها الطعوم الروائح في هذا الباب، وصولها إلى الحس بملاقاة، فهي أولى ما يوصل من جميع أجزاء الدواء قوة. والروائح والألوان تؤثر بلا ملاقاة من أجزائها، فيجوز أن يصل إلى الحس من أجزاء في الرائحة بخار من لطيف أجزائه، ويستعصي البخار من كثيف أجزائه، فلا يتبخر.
ويجوز أن يصل إليه لون الظاهر الغالب دون المغلوب الخفي، ولأن الروائح قد تدل على الطعوم مثل الرائحة الحلوة والحامضة والحريفة والمرة، كانت الروائح تالية للطعوم.
فالطعوم أكثر صِحَّةِ دلالة، ثم الروائح، ثم الألوان، ثم لو كانت الطعوم أيضاً لا يقع فيها هذا التركيب المذكور، لما كان الأفيون في مرارته مع برده المفرط. وهذا الغلط الذي يقع في الطعوم، يقع في جانب البرد أكثر منه في جانب الحر، أعني أن يكون الدواء له طعم يدل على الحرارة وهو بارد، فإن هذا أكثر من أن يكون الدواء له طعم يدلُ على البرد وهو حار، لأن الحار في أكثر الأحوال أقوى اًثاراً وأظهر أفعالًا وأفذ، فلو كان قد خالط البارد في المزاج الطبيعي حار. تبلغ قوّته مبلغاً يكسر برد ما يقابله، لقد كان بالحري أن يظهر له طعم يكسر طعمه، إذالحار في جميع الأحوال أنفذ وأبلغ وأغلب وأولى بأن يَجْمُلَ الطعومٍ والروائح. ولهذا السبب كأنك لا تجد حامضاً أو عفصاً لا مزاج فيه في الحس ويكون حاراً بأغلب مزاجه كما تجد مرًّا ولذاعاً ويكون بارداً في أغلب مزاجه على أن هذا أيضاً أكثري، وأكثر أكثرية من الآخر، وليس بواجب.