القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٠٠ - المقالة الثالثة فى تعرف أمزجة الأدوية المفردة بالقياس
العضو في مسامتته ومضاهاته. والعفص ألطف وأدخل. والحريف والمر يجردان اللسان جرداً. لكن المر إنما يجرد ظاهر اللسان، والحريف يغوص جرده وتفريقه، لأنه لطيف الجوهر غواص.
وأما المرّ فثقيل الجوهر يابسه، ولذلك لا يقبل الصرف منه عفونة يتولد منها فيه حيوان، ولا يغدو الصرف منه حيواناً. وليبوسة المر ما يجرد مع تخشين ما، ومما يقوي حرارة الحريف على حرارة المر، نفوذه فيقطع شديداً ويحلل شديداً حتى يأكل ويعفن ويبلغ أن يهلك. والحلو والدسم كلاهما يبسطان اللسان ويلينانه بتسييل ما أداه البرد وعقده من غير تحليل، ويزيلان خشونته، لكن الدسم يفعل ذلك من غير تسخين بين. والحلو يفعل مع تسخين، فلذلك ينضج الحلو أكثر.
قالت الأطباء: وإنما صار الحلو لذيذاً لأنه يجلو الغليظ جلاء يصلحه ويسيله ويلينه ويزيل أذى جموده من غير تقطيعه وتفريق اتصال وملاقاة بعنف، ولا يسنخن سخونة مؤذية، بل لذيذة مثل لذة الماء المعتدل الحر إذا صب على الخصر. وأما القول الفصل في هذا فعندهم من أعلى درجة، وليس يجب أن يكون ما هو أحلى أغذى، ولا ما هو ألذ أغذى، وإن كان لا بد من أن يكون في كل غاذ عند الأطباء حلاوة ما، لأن الغذاء يحتاج إلى شرائط أخرى غير الحلاوة. هذا والدسم مناسب لحلو، لكن الكثيف المستحيل إليهما بفعل الحرارة المناسبة يستحيل إلى الحلاوة، إذا كان عماد تلطفه بالمائية وقليل هوائية، ويستحيل إلى الدسومة إذا كان عماد تلطّفه بالمائية العذبة، ويخالطها هوائية كثيرة اشتدّت مداخلتها للمائية. والمر والمالح يَجردان اللسان جرداً، لكن المالج يجرد خفيفاً ويغسل، ولا يخشن ويعينه عليه تأدي ملاقاته للعضو إلى جميع أجزائه بالسوية للطافته، ولكنه يؤذي فم المعدة. والمر يجرد شديداً حتى يخشن، ويعينه عليه اختلاف مواضعه على ما قلنا. والحريف والحامض يلذعان اللسان، لكن الحريف يلذعه لذعاً شديداً مع تسخين، والحامض يلذعه لذعاً وسطاً بلا تسخين. والمالح يحدث من انحلال المرّ في التفه المائي، فإذا انعقد كماء الرماد صار ملحاً. والحامض يحدث من استحالة الحلاوة بنقصان الحرارة، ونضج العفوصة بزيادة الرطوبة والحرارة. وجوهره في جملة الأمر جوهر رطب، وكذلك الحلو فإن جوهره إلى الرطوبة، وجوهر المر والعفص إلى اليبوسة.
وأفعال الحلو: الإنضاج، والتليين، وتكثير الغذاء، والطبيعة تحبه، والقوى الجاذبة تجذبه.
وأفعال المرارة: الجلاء، والتخشين.
وأفعال العفوصة: القبض إن ضعف، والعصر إن اشتدّ.
وأفعال القبض: التكثيف والتصليب والحبس.
وأفعال الدسومة: التليين، والإزلاق، وإنضاج قليل.