القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٠٢ - المقاله الرابعة فى تعرف أفعال قوى الأدوية المفردة
تتركّب قوى هذه بحسب تركب قوى موادها وطعومها على القياس الذي اشترطناه قبل. فهذا ما نقوله في الطعوم وما يلزم على أصولهم. وأما الكلام المحقق في هذه الأمور، فللعلم الطبيعي، والطبيب يكفيه هذا القدر مأخوذاً منهم.
وأما الروائح فإنها تحدث عن حرارة، وتحدث عن برودة، ولكن مشمَها ومسعطها هي الحرارة في أكثر الأمر، لأن العلة الأكثرية في تقريب الروائح إلى القوة الشامة هو جوهر لطيف بخاري، وإن كان قد يجوز أن يكون على سبيل استحالة الهواء من غير تحلل شيء من ذي الرائحة، إلا أن الأول هو الأكثري، فجميع الروائح التي يحدق منها لذع، أو تميل إلى جنبة الحلاوة، فكلها حارة والتي تحسق حامضة وكرجية ندوية، فكلها باردة. والطيب أكثره حار، إلا ما يصحبه تندية وتسكين من الروح والنفس كالكافور والنيلوفر، فإن أجسامها لا تخلو عن جوهر مبرد يصحب الرائحة إلى الدماغ، وكل طيب حار، وكلذلك جميع الأفاوية، وهي لذلك مصدعة.
وأما الألوان فقد قلنا فيها وعرفنا أنها تختلف في أكثر الأمر، وليست كالروْائح، لكنها تهدي في معنى واحد هداية أكثرية، وهو أن النوع الواحد إذا اختلفت أصنافه، وكان بعضه إلى البياض وبعضه إلى الصبغ الأحمر والأسود، فإن الضارب إلى البياض إن كان الطبع في النوع بارداً هو أبرد، والضارب إلى الآخرين أقل برداً وإن كان الطبع إلى الحرّ، فالأمر بالعكس، وقد يختلف هذا في أشياء، لكن الأكثري هو الذي قلته، فلنقل الآن في أفعال قوى الأدوية المفردة.
المقاله الرابعة فى تعرف أفعال قوى الأدوية المفردة
نقول: إن للأدوية أفعالًا كلية، وأفعالًا جزئية، وأفعالًا تشبه الكلية.
والأفعال الكلية هي مثل التسخين والتبريد والجذب والدفع والادمال والتقريح وما أشبه هذه.
و الأفعال الجزئية مثل المنفعة في السرطان والمنفعة في البواسير والمنفعة في اليرقان وما أشبه ذلك.
والأفعال التي تشبه الكلية فمثل الإسهال والإدرار وما أشبه ذلك. فهذه وإن كانت جزئية لأنها أفعال في أعضاء مخصوصة وآلات مخصوصة، فإنها تشبه الكلية لأنها أفعال في أمور يعمّ نفعها وضررها، مع أنه ينفعل عنها البدن كله لا بالعرض. ونحن إنما نذكر ههنا أفعالها الكلية والشبيهة بالكلية. فأما الأفعال الكلية، فمنها ما هي أوائل، ومنها ما هي ثوان.
والأوائل: هي الأفعال الأربعة التي هي التبريد والتسخين والترطيب والتجفيف، وأما الثواني: فمنها ما هي هذه الأفعال بعينها، لكنها مقدرة أو مقايسة بحدّ زيادة أو نقصان، مثل الإحراق ومثل العفونة ومثل الإجماد والبهوة، فإنها بعينها تسخينات وتبريدات لكنها