التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٦٠١ - القسم الثالث من علوم البلاغة علم البدیع
و إنما أوردنا هذا بیانا للفصاحة المعنویة لمّا کان متعلّقا بالمعانی
دون الألفاظ، و جملة ما نورده من ذلک ضروب عشرة، ففیها کفایة فی غرضنا.
الأول:
التتمیم، و هو الإتیان بجملة عقیب کلام متقدّم لإفادة التوکید له و
التقریر لمعناه، و مثاله قوله تعالی: ذلِکَ جَزَیْناهُمْ بِما کَفَرُوا وَ
هَلْ نُجازِی إِلَّا الْکَفُورَ [١] فقوله: وَ هَلْ نُجازِی إنّما ورد علی
جهة التوکید لما مضی من الکلام الأول، و قوله تعالی: وَ ما جَعَلْنا
لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِکَ الْخُلْدَ ثم قال: أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ
الْخالِدُونَ [٢] فأورده علی جهة توکید الکلام الأول، ثم قال: کُلُّ نَفْسٍ
ذائِقَةُ الْمَوْتِ [٣] تأکیدا ثانیا لما سلف من الجملة الأولی، و اللّه
أعلم بالصواب.
الثانی: الائتلاف و الملاءمة، و هو أن یکون اللفظ ملائما
للمعنی، فإذا کان الموضع موضعا للوعد و البشارة کان اللفظ رقیقا، و مثاله
قوله تعالی: یُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ
جَنَّاتٍ لَهُمْ فِیها نَعِیمٌ مُقِیمٌ [٤] و قوله تعالی: نَصْرٌ مِنَ
اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِیبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِینَ [٥] فانظر إلی هذه
الألفاظ کیف رقّت و کان فیها من السلاسة ما لا یخفی، و إذا کان الموضع
موضعا للوعید و النذارة کان اللفظ جزلا، و مثاله قوله تعالی: وَ لَوْ تَری
إِذْ وُقِفُوا عَلَی النَّارِ فَقالُوا یا لَیْتَنا نُرَدُّ وَ لا
نُکَذِّبَ بِآیاتِ رَبِّنا [٦] و قوله تعالی: وَ یَوْمَ یُنادِیهِمْ
فَیَقُولُ أَیْنَ شُرَکائِیَ الَّذِینَ کُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [٧] فانظر إلی
التفاوت بین المقامین فی الجزالة و الرقّة،
(١) سبأ: ١٧.
(٢) الأنبیاء: ٣٤.
(٣) الأنبیاء: ٣٥.
(٤) التوبة: ٢١.
(٥) الصف: ١٣.
(٦) الأنعام: ٢٧.
(٧) القصص: ٦٢ و ٧٤.