التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٣٦٨ - أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
کانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَیْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [١] لیخیل إلینا أننا نشهد المنظر هذه اللحظة بکل من فیه و کل ما فیه.
أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
وَ یَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَذَکَّرُونَ
[٢] لکنّها أمثال حیّة یشهدها النظّارة و تصیخ أسماعهم إلی أصواتها و
ضوضائها، و کأنهم فی خضمّ المعرکة یجولون بها أو یبصرون بها عن جنب و هم لا
یشعرون.
ها نحن اولاء أمام أصحاب الجنّة- جنّة الدنیا لا جنّة الآخرة- و
ها هم اولاء یبیّتون فی شأنها أمرا. لقد کان للفقراء حظّ من ثمر هذه
الجنّة، و لکن الورثة یبخلون بها، إنّهم لیریدون أن یستأثروا بها وحدهم، و
أن یحرموا اولئک المساکین حظّهم. فلننظر کیف یصنعون:
إِنَّا بَلَوْناهُمْ کَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَیَصْرِمُنَّها مُصْبِحِینَ. وَ لا یَسْتَثْنُونَ [٣].
لقد
قرّ رأیهم علی أن یقطعوا ثمرها عند الصباح الباکر، دون أن یستثنوا منه
شیئا للمساکین. فلندعهم علی قرارهم، و لننظر ما ذا یقع الآن فی بهمة اللیل،
حیث یختفون هم، و یخلو منهم المسرح، فما ذا یری النظّارة؟ هناک مفاجأة
تتمّ خلسة، و حرکة خفیفة کحرکة الأشباح فی الظلام فَطافَ عَلَیْها طائِفٌ
مِنْ رَبِّکَ وَ هُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ کَالصَّرِیمِ [٤] و هم لا
یشعرون.
و الآن ها هم اولاء یتصایحون مبکّرین، و هم لا یدرون ما ذا أصاب جنّتهم
(١) آل عمران: ١٥٢- ١٥٤.
(٢) إبراهیم: ٢٥.
(٣) القلم: ١٧ و ١٨.
(٤) کالمقطوعة الثمار.