التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٥١٧ - الاستدراج
یَسْئَلُونَکَ ما ذا یُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَیْرٍ فَلِلْوالِدَیْنِ وَ الْأَقْرَبِینَ وَ الْیَتامی وَ الْمَساکِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَیْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِیمٌ [١].
سألوا عن الذی ینفقونه، فاجیبوا ببیان مصارف الإنفاق، تنبیها علی أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق، أمّا الذی یجب أن ینفق فهو خیر ما تیسّر، من أیّ جنس کان. لأنّ النفقة لا یعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها. و کل ما فیه خیر و صلاح فهو صالح للإنفاق. و من ثم ختمت الآیة بنوایا صاحب الإنفاق و أنّ اللّه علیم بذات الصدور [٢].
الاستدراج:
و سمّاه بعضهم «مجاراة الخصم» لیعثر، بأن یسلّم له بعض مقدّماته حیث یراد تبکیته و إلزامه، کمن یجاری الصید لیستولی علیه و یقبضه.
قال
ابن معصوم: هو إرخاء العنان مع الخصم لیعثر حیث یراد تبکیته و إفحامه، و
هو من مخادعات الأقوال و التصرّفات الحسنة التی هی من السحر الحلال، حیث
یسمعه الحقّ علی وجه لا یغضبه.
کقوله تعالی: لا تُسْئَلُونَ عَمَّا
أَجْرَمْنا وَ لا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [٣]، لم یقل عمّا تجرمون
احترازا عن التصریح بنسبة الجرم إلیهم و اکتفاء بالتعریض فی قوله «عمّا
أجرمنا». لئلّا تأخذهم الحمیة الجاهلیة و الأنفة، و لیتفکّروا فی حالة
أنفسهم و حالة من خالفهم فی العمل، إن صلاحا أو فسادا، فیدرکوا بالتأمّل ما
هو الحقّ منهما [٤].
و قد فصّل الکلام فی ذلک ابن الأثیر، و عقد له بابا استخرجه من کتاب اللّه و شرحه شرحا وافیا، قال:
(١) البقرة: ٢١٥.
(٢) راجع أنوار الربیع: ج ٢ ص ٢٠٩ و ٢١٠.
(٣) سبأ: ٢٥.
(٤) أنوار الربیع: ج ٦ ص ٦٢ و ٦٣.