التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٩٥ - اشارة
عن العنجهانیة، تشبه العسل فی الحلاوة، و الماء فی الرقة و السلاسة، و کالنسیم فی السهولة، لا تنبو عن قبولها الأذهان، و لا تمجّها الآذان.
البحث الرابع:
فی بیان موقعها من الفصاحة المعنویة. اعلم أنّ الفصاحة المعنویة هی غایة
علم المعانی، و الفصاحة المعنویة المراد بها البلاغة، و هی من عوارض
المعانی، و هی متضمّنة للفصاحة اللفظیة، و لهذا فإنّ الکلام البلیغ لا یکون
بلیغا إلّا مع إحرازه للفصاحة، فهی فی الحقیقة راجعة إلی المعنی و اللفظ
جمیعا، و لها طرفان:
أعلی، و هو ما یبلغ به الکلام حدّ الإعجاز، و أدنی،
و هو الذی یقدّر فیه أنه اذا ازیل عن نظامه الذی الف علیه التحق بالکلام
الرکیک، فلم تخف علیک غثاثته، و بین هذین الطرفین مزایا و مراتب و درجات
متفاوتة.
فإذا عرفت هذا و فکّرت فی نظام هذه الآیة، وجدتها قد ألّفت علی
أتمّ تألیف، و أدّیت علی أعجب نظام، ملخّصة معانیها، مرصوفة مبانیها، لا
یعثر اللسان فی ألفاظها، و لا یغمض علی الفکر طلب المراد منها، فاذا خرقت
قراطیس الأسماع وجدتها تسابق معانیها ألفاظها، و ألفاظها معانیها، لا تحتاج
لوضوحها الی ترجمان، و لا یملّ سامعها و إن تکرّرت فی کل ساعة و أوان،
فهذا ما سنح لی فی هذه الآیة من علوم الفصاحة، و البلاغة، و العلوم
المعنویة، و العلوم البیانیة.
البحث الخامس:
اشارة
فی بیان موقعها من علم البدیع. اعلم أنّ البدیع لقب فی هذه الصناعة تعرف
به وجوه تحسین الکلام بعد إحرازه لمعانی البلاغة و أنواع الفصاحة، و وضوح
دلالته، و جودة مطابقته، ثم إنه علی رشاقته ضربان: لفظیّ، و معنویّ.