التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٣٨٥ - اشارة
٨- جودة استعارته و روعة تخییله
اشارة
قد أکثر القرآن من أنواع الاستعارة و أجاد فی فنونها [١] و کان لا بدّ
منه و هو آخذ فی توسّع المعانی توسّع الآفاق، فی حین تضایق الألفاظ عن
الایفاء بمقاصد القرآن، لو قیّدت بمعانیها الموضوعة لها المحدودة النطاق.
جاء
القرآن بمعان جدیدة علی العرب، لم تکن تعهدها، و لا وضعت ألفاظها إلّا
لمعان قریبة، حسب حاجاتها فی الحیاة البسیطة البدائیة القصیرة المدی. أمّا
التعرّض لشئون الحیاة العلیا المترامیة الأبعاد فکان غریبا علی العرب
الأوائل المتوغّلة فی الجاهلیة الاولی.
و من ثمّ لجأ القرآن فی إفادة
معانیه و الإشادة بمبانیه إلی أحضان الاستعارة و الکنایة و المجاز، ذوات
النطاق الواسع، حسب إبداع المتکلّم فی تصرّفه بها، و قدرته علی الإحاطة
علیها فی تصریف المبانی و الإفادة بما یرومه من المعانی. و قد أبدع القرآن
فی الاستفادة بها و تصریفها حیثما شاء من المقاصد و الأهداف، و لم یعهد له
نظیر فی مثل هذه القدرة علی مثل هذا التصرّف الواسع الأکناف، الأمر الذی
أبهر و أعجب و أتی بالإعجاز.
(١) و قد کان الفصل السابق معرضا خصبا لأنواع الاستعارة و فنونها، حیث الکلام عن فنون التشبیه و أنواعه. و الاستعارة بأشکالها نوع من التشبیه و متوقفة علیه.