التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٢٥ - اشارة
نماذج من فوارق اللغة
اشارة
و إذ قد عرفت أنّ من عمدة السبب فی الإعجاز البیانی للقرآن هو جانب
رعایته للمزایا اللغویة، و إحاطته بفوارق الأوضاع إحاطة فاقت طوق البشر و
خرجت عن طوع إرادته القصیرة. فکان جدیرا أن نلمّ إلمامة عابرة بنماذج من
تلک الفوارق اللغویة کشواهد مثال علی أنّ مردّ المترادفات إلی المتفارقات
فی نهایة المطاف، و أنّ کل وضع إنما یختصّ بمیزة یفتقدها وضع مشابه یحسبه
النظر البادی مثیله فی المفاد! أمّا النظرة الدقیقة فتقضی بخلافه و أن لا
ترادف فی أوضاع اللغة حسبما حقّقه أهل التحقیق.
و هذا موضع دقیق و فی
نفس الوقت خطیر، إنما کان یدرکه الجهابذة من أهل الفصاحة و علماء البیان. و
قد لمسته أقحاح العرب- منذ أول یومهم- فی تعابیر القرآن فأعجبتهم إحاطته و
الوفرة من مزایاه، بما فاق مقدورهم و هم صنادید اللغة و أفذاذ الخطابة و
البیان. و من ثمّ کان اعترافهم بالعجز، و أنه لیس من کلام البشر و أنه یعلو
و ما یعلی.
قال أبو منصور الثعالبی النیسابوری (المتوفی سنة ٤٣٠): لو
لم یکن فی الإحاطة بخصائص اللغة العربیة و الوقوف علی مجاریها و تصاریفها و
التبحّر فی جلائلها و دقائقها إلّا قوّة الیقین فی معرفة إعجاز القرآن و
زیادة البصیرة فی إثبات النبوّة التی هی عمدة الإیمان لکفی بذلک فضلا یحسن
أثره و یطیب فی