السلفية بين أهل السنة والإمامية - الكثيري، محمد - الصفحة ٦٣٠
وفعلا استمر القتل فيهم والتشريد، لكن أحدا منهم لم يترك مذهبه لينتقل إلى الحنبلية، أصحاب السلطان. كما سيفعل فقهاء الحنابلة الذين انتقلوا زرافات إلى مذاهب أهل السنة بعد ما تغير السلطان وتغير معه الزمان [٢٩].
إنتصار الفاطميين ومحنة الشيعة في بغداد:
لقد كانت هذه الفترة بالذات عصيبة على شيعة بغداد، كما تعرض أهل السنة المضايقات لكن سرعان ما انفرج عنهم، فأصبح لهم السلطان، وكالوا الحنابلة بنفس المكيال. وقبل أن نعرض لبعض الأمثلة على ذلك، لا بد أن نشير إلى حقيقة تاريخية مهمة. وهي أن دعم الحشوية وتسليطهم على شيعة بغداد، والطلب من بعض رجالات أهل السنة أن يؤلفوا الكتب في نقض مذاهب الشيعة وخصوصا عقيدة الإمامة، كان سببه الرئيسي الدولة الفاطمية التي امتدت من مصر لتبسط سلطتها على مناطق الشام، وبالتالي بدأ خطرها يطرق أبواب الخلافة العباسية في بغداد، هذه الخلافة التي لم يبق منها إلا الرسم على عهد البويهيين.
لذلك كانت الخلافة تحس وتشعر بأن شيعة بغداد رغم أنهم إمامية ويختلفون مع الفاطميين الإسماعيلية في مجمل الأصول والفروع. لكن شعورا ما بالتعاطف قد يكون موجودا لدى العامة منهم، لذلك جاء إطلاق عوام الحشوية عليهم، لقتلهم ونهب أموالهم، بمثابة رد احترازي مبدئي عن أي
[٢٩]انتقل أبو جعفر عمر ابن أبي بكر الدباسي (ت ٦٠١ ه) إلى المذهب الشافعي، فعين مشرفا لمكتبة النظامية. أنظر تاريخ العراق في العصر العباسي الأخير، للدكتور بدري محمد فهد، ص ٤٣٧. وانتقل أبو الفتح أحمد بن علي بن تركان المعروف بالحمامي (ت [٥١٨]ه) إلى المذهب الشافعي وقد كان حنبليا، وأصبح مدرسا بالنظامية. أما المبارك بن المبارك الواسطي النحوي (ت ٦١٢ ه) فقد كان حنبليا فتحول إلى الحنفي ومنه إلى الشافعي، فعين مدرسا بالنظامية. وكذلك القاضي أبو بكر محمد بن يحيى ابن المظفر (ت [٦٣٩]ه) أصبح شافعيا ودرس بالنظامية. أنظر طبقات الشافعية، ج ٣ ص ٢٥٢. راجع المرجع السابق ص ٢٢٥.