السلفية بين أهل السنة والإمامية - الكثيري، محمد - الصفحة ٢٩٠
الإعتقاد بالعلة الأرسطية خلافا لأهل السنة:
أما المسألة الخلافة الثانية التي ذكرها البوطي، فهي اعتقاده. خلافا لأهل السنة من الأشاعرة بالتحديد [١١٢]، بالعلة الأرسطو طاليسية، فهو يحمل على الأشعري ومن تبعه من المالكية والشوافع والحنابلة وغيرهم الذين أنكروا الأسباب وقالوا بأن الله يفعل عند الشئ لا به. فالماء ليس سببا في إنبات الزرع، وإنما هو فعل الله عندما يلتقي الماء بالزرع. وهذه من المسائل التي اختلف فيها علماء الإسلام ومفكروه. وابن تيمية يقف هنا في صف فلاسفة الإسلام مثل الفارابي وابن رشد القائلين بوجود أسباب كامنة في الأشياء كقوى أودعها الله فيها. فهي بمثابة الأسباب والعلل لمسبباتها [١١٣].
وإذا كان ابن تيمية قد آمن بالأسباب والعلل وذلك انطلاقا من عداوته لأهل السنة والجماعة كما يدعي الدكتور سامي النشار، فإن الشيخ الحنبلي سيعتبر إنكار هذه الأسباب مخالفة صريحة لما جاء به القرآن " والسنة وإجماع
[١١٢]للمعتزلة والشيعة الإمامية رأي آخر في هذه المسألة. وهو الذي يرجحه ابن تيمية وينتصر له. يقول الإمامية في هذا الباب: " مما يجب الاعتقاد به هو توحيد الله في أفعاله ومعنى التوحيد الأفعالي إن جميع الأفعال صادرة منه تعالى ولا مؤثر في الوجود غيره، بل التأثير بالاستقلال له لا لغيره. إلا أن جعل التأثير لله ليس معناه سلب التأثير عن العلل الأخرى التي جعل الله لها التأثير. أن تأثير العلل الأخرى ليس بالاستقلال بل يستند إلى الله تعالى، وبعبارة علمية أن تأثيرها ليس في عرض تأثير الله بل في طوله.
بمعنى أن الله أجرى النظام على هذه الكيفية، وكما ورد في الحديث عنهم عليهم السلام " أي أئمة أهل البيت ": " أبى الله أن تجري الأمور إلا بأسبابها ". ولكن هذه الأسباب تستمد سببيتها منه تعالى ولذا ورد: " اللهم يا سبب من لا سبب له يا سبب كل ذي سبب يا سبب الأسباب من غير سبب ". فالأسباب والعلل لها تأثير لا كما يزعم الأشاعرة أنه لا تأثير لها، لأن ذلك خلاف ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي تنص على أن لهذه العلل تأثير في معلولاتها، إلا أن تأثيرها ليس من لدن نفسها بل مستمدة من الله ". أنظر توحيد الصدوق وصفات الله عند المسلمين، للشيخ حسين العايش، ص ٧٧.
[١١٣]السلفية، ص ١٧٣.