الشفا بتعريف حقوق المصطفي محذوف الاسانيد - القاضي عياض - الصفحة ٤٤٦
وَقَدْ كَانَ يُخَالِفُ فِي أَفْعَالِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَيُعِدُّ لِلْأُمُورِ أَشْبَاهَهَا، فَيَرْكَبُ فِي تَصَرُّفِهِ لِمَا قَرُبَ الْحِمَارَ وَفِي أَسْفَارِهِ الرَّاحِلَةَ، وَيَرْكَبُ الْبَغْلَةَ فِي مَعَارِكَ الْحَرْبِ دَلِيلًا عَلَى الثَّبَاتِ وَيَرْكَبُ الْخَيْلَ وَيُعِدُّهَا لِيَوْمِ الْفَزَعِ وَإِجَابَةِ الصَّارِخِ.. وَكَذَلِكَ فِي لِبَاسِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ مَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ أُمَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْفِعْلَ من أُمُورِ الدُّنْيَا مُسَاعَدَةً لِأُمَّتِهِ وَسِيَاسَةً وَكَرَاهِيَةً لِخِلَافِهَا.. وإن كان قديرى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ، كَمَا يَتْرُكُ الْفِعْلَ لِهَذَا، وَقَدْ يَرَى فِعْلَهُ خَيْرًا مِنْهُ.. وَقَدْ يَفْعَلُ هَذَا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مِمَّا لَهُ الْخِيَرَةُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ.. كَخُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ لِأُحُدٍ وَكَانَ مَذْهَبُهُ التَّحَصُّنَ بِهَا. وَتَرْكِهِ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِهِمْ مُؤَالَفَةً لِغَيْرِهِمْ، ورعاية للمؤمنين من قرابته، وَكَرَاهَةً لِأَنْ يَقُولَ النَّاسُ: «إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ [١] .
وَتَرْكِهِ بِنَاءَ الكعبه على قواعد إبراهيم، مراعاة القلوب قريش، وتعظيمهم لتغيّرها، وحذارا مِنْ نِفَارِ قُلُوبِهِمْ لِذَلِكَ، وَتَحْرِيكِ مُتَقَدِّمِ عَدَاوَتِهِمْ للدين وأهله.
[١] رواه البخاري في عبد الله بن أبي بن سلول.