البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٦٨ - سر من رأى
الموضع المعروف بالدور، ثم بالكرخ و سرّ من رأى مادا إلى الموضع الذي كان ينزله ابنه أبو عبد اللّه المعتز، ليس بين شيء من ذلك فضاء و لا فرج، و لا موضع لا عمارة فيه، فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ، و ارتفع البنيان في مقدار سنة.
و جعلت الأسواق في موضع معتزل، و جعل في كل مربعة و ناحية سوقا، و بنى المسجد الجامع، و انتقل المتوكل إلى قصور هذه المدينة أول يوم من المحرم سنة سبع و أربعين و مائتين، فلما جلس أجاز الناس بالجوائز السنية و وصلهم، و أعطى جميع القوّاد، و الكتّاب، و من تولى عملا من الأعمال.
و تكامل له السرور و قال: الآن علمت أني ملك إذا بنيت لنفسي مدينة سكنتها.
و نقلت الدواوين: ديوان الخراج، و ديوان الضيّاع، و ديوان الزمام، و ديوان الجند و الشاكرية، و ديوان الموالي و الغلمان، و ديوان البريد، و جميع الدواوين؛ إلا أن النهر لم يتم أمره، و لم يجر الماء فيه إلا جريا ضعيفا لم يكن له اتصال و لا استقامة، على أنه قد أنفق عليه شبيها بألف ألف دينار، و لكن كان حفره صعبا جدا، إنما كانوا يحفرون جصا و أفهارا [١] لا تعمل فيها المعاول.
و أقام المتوكل نازلا في قصوره بالجعفرية تسعة أشهر و ثلاثة أيام، و قتل لثلاث خلون من شوال سنة سبع و أربعين و مائتين في قصره الجعفري أعظم القصور شؤما.
و ولي محمد المنتصر بن المتوكل فانتقل إلى سرّ من رأى و أمر الناس جميعا بالانتقال عن الماحوزة [٢]، و أن يهدموا المنازل و يحملوا النقض إلى سرّ من رأى.
فانتقل الناس و حمّلوا نقض المنازل إلى سرّ من رأى و خربت قصور الجعفري و منازله، و مساكنه، و أسواقه في أسرع مدة، و صار الموضع موحشا لا أنيس به و لا ساكن فيه، و الديار بلاقع [٣] كأنها لم تعمر و لم تسكن، و مات المنتصر بسرّمنرأى في شهر ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين و مائتين.
الجانب الشرقي من بغداد. (معجم البلدان ج ٢/ ص ١٦٧).
[١] أفهار: مفردها الفهر، و هو حجر رقيق تسحق به الأدوية. (القاموس المحيط، مادة: فهر).
[٢] الماحوزة: لعلها ناحية الماء، فالحوزة هي الناحية، و حوزة المملكة: ما بين تخومها.
(القاموس المحيط، مادة: حوز).
[٣] بلاقع: مفردها بلقع المكان إذا أقفر فهو بلقع، و الأرض القفر يقال لها: دار بلقع، أي مقفرة. (القاموس المحيط، مادة: بلقع).